محمد رضا بهلوي.. هل يصبح بديل ترامب لتغيير النظام الإيراني؟
بينما تشتعل الاحتجاجات في إيران، يبرز اسم "رضا بهلوي"، ولي عهد إيران المنفي، ليس كقائد لثورة ديمقراطية حقيقية، بل كبيدق في مشروع "تغيير النظام" الذي تغذيه طموحات واشنطن وتل أبيب وبعض العواصم العربية، ويبدو أن إدارة ترامب وحلفاءها يعيدون تدوير سيناريوهات تاريخية مراهنين على "ملك بلا مملكة" لم يطأ أرض بلاده منذ عام 1978.
إرث التبعية: من "الشاه الأب" إلى "الوريث الحالم"

وأوضحت صحيفة “ذا نيشن” الأمريكية، أنه لا يمكن فهم مشروع بهلوي الحالي دون العودة إلى جذور عائلته "البارفني" (حديثة النعمة)؛ فقد بدأ جده "رضا شاه" ضابطاً عسكرياً اختطف حركة ديمقراطية لكبح جماح سلالة قاغار الاستبدادية وتحويل البلاد إلى جمهورية دستورية، إلا أن بهلوي قضى على هذا الحلم عام 1925 بتوطيد سلطته المركزية بعد تتويجه شاهًا، وأُجبر على التنازل عن العرش عام 1941 عندما أثارت ميوله المؤيدة لألمانيا غضب الحلفاء. وتولى ابنه، محمد رضا بهلوي، السلطة في العام نفسه.
في عام ١٩٥١، سعت حركة أخرى لدمقرطة إيران، بقيادة رئيس الوزراء محمد مصدق، إلى الحد من سلطة الملك، كما سعى مصدق إلى تأميم صناعة النفط لكي تعود أرباحها بالنفع على الشعب الإيراني.
وقد رفض هذا التوجه رعاة محمد رضا بهلوي الإمبراطوريون، المملكة المتحدة والولايات المتحدة. وفي عام ١٩٥٣، أُطيح بمصدق في انقلاب دبرته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، والذي حقق الغاية المرجوة بترسيخ حكم بهلوي كديكتاتورية مطيعة.
وصف تاريخ داخلي لوكالة المخابرات المركزية عن الانقلاب، كُتب عام ١٩٥٤، الانقلاب بأسلوب شعري يُشبه عادةً ما يُستخدم في وصف ذكريات النجاحات الرومانسية: "كان يومًا ما كان ينبغي ألا ينتهي أبدًا. فقد حمل معه شعورًا بالإثارة والرضا والابتهاج، لدرجة أنه من المشكوك فيه أن يرقى أي يوم آخر إلى مستواه".
تحوّلت فرحة مخططي السياسة الخارجية الأمريكية في عام 1953 إلى مرارةٍ شديدة في عام 1979، عندما أُطيح بالدكتاتورية الوحشية لعائلة بهلوي في ثورةٍ اختطفها في نهاية المطاف حكامٌ دينيون إسلاميون، وأنهت الثورة عقودًا من الهيمنة الغربية على إيران.
لهذا السبب، حتى الإيرانيون الذين يكرهون حكم آيات الله ويتوقون إلى نظامٍ أكثر ديمقراطية، يترددون في الانضمام إلى مشروع بهلوي لإعادة الملكية، الذي يُنظر إليه، عن حق، على أنه مشوبٌ ليس فقط بالاستبداد، بل أيضًا بسجلٍ من الخضوع للقوى الأجنبية.

تحالف "المستبدين": صناعة معارضة في المختبرات الدولية
يوثق عالم الأنثروبولوجيا أليكس شمس، في مقال له في مجلة بوسطن ريفيو ، بالتفصيل الدعم المؤسسي الذي تلقاه مشروع بهلوي الإصلاحي من كل من الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط:
يرى المحلل شمس أن بهلوي تحول من مجرد "شخصية مثيرة للشفقة" تعيش في المنفى، إلى تهديد حقيقي للاستقرار بسبب تحالفه مع "طاقم غير مرغوب فيه" يضم دونالد ترامب، وبنيامين نتنياهو.
وتشير التقارير إلى إنفاق الملايين لبناء "هالة" حول بهلوي عبر وسيلتين هما الآلة الإعلامية عبر تمويل قنوات فضائية ناطقة بالفارسية تروّج للملكية وتلمّع صورة بهلوي، والجيوش الإلكترونية عبر بناء شبكة رقمية لمهاجمة الأصوات الديمقراطية الحقيقية داخل إيران وخارجها، وتشويه كل من يرفض "التبعية للأجنبي" أو "حكم الملوك".

وهم المنفى: متلازمة "أحمد الجلبي" تطل برأسها
يعيد مشروع بهلوي إلى الأذهان قصة "أحمد الجلبي" في العراق، الذي خدع إدارة بوش بمعلومات مضللة ليقودها إلى غزو كارثي، ويصف المؤرخ "توماس ماكولي" هذه الحالة بـ"وهم المنفى"، حيث يرى السياسي المنفي بلاده عبر "عدسة مشوهة" من الأشواق والضغائن، فيظن أن كل احتجاج صغير هو ثورة تناديه للعودة، وأن شعبه يشتاق إليه بقدر اشتياقه للسلطة.
لكن الواقع يقول إن الحركات الديمقراطية العضوية داخل إيران، التي نشأت من رحم المعاناة والاحتجاجات الحقيقية (مثل انتفاضة 2022)، تختلف جذرياً عن "مشروع بهلوي" المصنوع في غرف الأبحاث بواشنطن.
حريق جديد في المنطقة؟
إن إعطاء الضوء الأخضر لضربات إسرائيلية ضد إيران، والترويج لبهلوي كبديل، يعكس "فانتازيا" خطيرة لدى إدارة ترامب، ومشروع استعادة العرش البهلوي ليس "تحريراً" لإيران، بل هو محاولة لاستبدال ثيوقراطية دينية بدكتاتورية ملكية مرتهنة للخارج. المأساة تكمن في أن "هلوسات" الرجال ضعاف العقول في المنفى، عندما تدعمها الإمبراطوريات، لا تؤدي إلا إلى شيء واحد: "مزيد من الاغتيالات والقنابل والحرائق التي لن تنتهي".
بهلوي يستنجد بترامب "لإسقاط النظام"

مع إعلان فوز دونالد ترامب بولاية رئاسية ثانية، سارعت أقطاب المعارضة الإيرانية في الخارج إلى استثمار المشهد الجديد، وفي مقدمتهم ولي العهد السابق رضا بهلوي، الذي وجه رسالة مفتوحة إلى الرئيس المنتخب، يدعوه فيها إلى "شراكة تاريخية" تهدف إلى إنهاء حكم الجمهورية الإسلامية المستمر منذ عام 1979.
رسالة "الفرصة الأخيرة" من واشنطن
في منشور عبر حسابه على منصة "إكس"، هنأ بهلوي المقيم في الولايات المتحدة ترامب، مشيداً بموقفه "الجريء" خلال ولايته الأولى (2016-2020) في الوقوف بجانب الشعب الإيراني. ووصف بهلوي النظام القائم بأنه "دولة مافيا" تحت سيطرة المرشد الأعلى علي خامنئي، تهدد أمن المنطقة والولايات المتحدة بـ"الإرهاب والفوضى".
ودعا بهلوي ترامب إلى اغتنام الفرصة لصناعة إرث من السلام الدائم عبر المساعدة في اقتلاع التهديد الإيراني "مرة واحدة وللأبد"، مؤكداً أن الشعب الإيراني سيكون "أفضل شريك" في هذه المهمة. وتأتي هذه الدعوة في وقت يراهن فيه بهلوي على عودة سياسة "الضغط الأقصى" التي أدت في السابق إلى خنق طهران اقتصادياً.