رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أغرب الإشكاليات التي استبقت عرض فيلم الملحد، وأكثرها إثارة للدهشة، هو التحفظ لدرجة المنع بسبب العنوان، الذي قد يبدو صادمًا، لكنه قطعًا الأصدق تعبيرًا عن قيمة العمل.. عشرات الأعمال في تاريخ السينما المصرية ضمت ضمن عناوينها كلمة الشيطان دون أي تحفظ أو أحكام تعسفية صدرت مطالبة بمنعها من العرض.

العنوان ليس غريبًا عن طبيعة وقلم إبراهيم عيسى، هو دائمًا يميل إلى استدعاء انتباه المشاهد أو القارئ إلى قضيته باستهلال صادم يثير الاهتمام، ما ينطبق أيضًا على مشهد بداية الفيلم مع إعلان الابن إلحاده أمام أسرته السلفية الغارقة في التطرف.

طرح فكرة رائعة تصل منطقيًا إلى رفض الإلحاد ودعوة من العقل والقلب إلى الإيمان بالله، اقتحام حقيقة انتماء عدد من شباب المغيبين اتجهوا إلى ظاهرة الإلحاد الموجودة في العالم ومناقشتها في معالجة راقية شجاعة تشتبك مع أكثر القضايا المجتمعية حساسية تُحسب لإبراهيم عيسى، فالتغاضي عن طرح الظاهرة بالتأكيد ليس أحد أسباب علاجها. 

صياغة العمل جاءت مباشرة بعيدًا عن الالتفاف أو ارتداء قفازات الحظر قبل الكتابة، أسبغت على كل شخصية مصداقية وفهمًا إنسانيًا لأبعاد تكوينها، حتى شخصية حافظ الأب، التي أبدع أداءها باقتدار محمود حميدة، أثارت شفقة المشاهد من حجم الجهل حين لم يتورع عن تزويج ابنته القاصر، اتخاذ قرار صادم بقتل ابنه، وأخيرًا يدفعه إلى التضحية بحياته ورفض التدخل الطبي تماشيًا مع قناعاته السلفية الغارقة في التطرف. 

تحليل نفسي دقيق لا يتدخل في إثارة أحكام مسبقة، يحترم المشاهد حين يترك له مساحة الحكم على كل شخصية بكل أبعادها النفسية والعقائدية، لحظات عجز الأب عن مواجهة منطق شقيقه «كارم»، التي برع في التعبير عنها حسين فهمي، ردود أفعاله على ثورة زوجته «إيمان» صابرين في أحد أروع أدوارها حين تعلن تمردها على نموذج الجهل والتطرف في صورة زوجها. 

الإسقاط على فكرة إلحاد الابن كون مصدرها رفضه لكل ممارسات الأب البالغة القسوة التي دفعت الابن إلى قتل سيدة بريئة، فالرؤية العامة التي عبرت بوضوح أن الإلحاد ليس موجهًا ضد عقيدة الإيمان بحد ذاتها.

أحد عناصر قوة النص أن كل مشهد يحرض على التفكير والغوص داخل أبعاد الشخصيات وصراعاتها، مشاعر التقطتها ببراعة كادرات المخرج محمد العدل وكاميرا نزار شاكر. 

الأداء بلغ قمة التفوق في الصدق والنضج، مباراة أظهرت إبداع حسين فهمي، محمود حميدة، صابرين، شيرين رضا، حتى لقطات أحمد بدير المحدودة تركت بصمتها المميزة. 

أحمد حاتم، أو «يحيى» الملحد، قدم نموذجًا صادقًا للكبت والتمزق النفسي والممارسات الشاذة التي غرسها والده وتراكمت في بناء شخصيته منذ الطفولة، ما دفعه إلى دوامة الشتات والشك، التناغم والانسجام بين أداء ممثلين كبار في طرح جريء لقضية شائكة جاء بالتأكيد مكملًا لكل العناصر التي أنتجت عملًا سينمائيًا مميزًا، نجح في تحقيق مكانته الاستثنائية كمواجهة فكرية مع قضية مصيرية لن يجدي الإنكار أو التغافل في تشريح أبعادها أو معالجة جذورها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء