رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

صلاح معاطي: لغة يحيى حقي بسيطة وعميقة تجمع الدقة وصدق المشاعر| حوار

صلاح معاطي
صلاح معاطي

• لغة يحيى حقي بسيطة على السطح عميقة في القلب

• يحيى حقي جسراً بين الثقافة الغربية والعربية وروّاد الرواية

• قضايا الإنسان العربي تتجسد في شخصيات يحيى حقي حتى اليوم


في حوار خاص لـ "إيجبتك"، نغوص مع الدكتور صلاح معاطي في عالم الكاتب الكبير يحيى حقي، الأديب الذي تجاوز حدود الشهرة بعمل واحد ليصبح رمزًا للثقافة العربية المتكاملة.

من حي السيدة زينب البسيط إلى أرقى عواصم أوروبا، استطاع حقي أن ينسج تجربة إنسانية وثقافية فريدة، تعكس صراع الإنسان بين العقل والروح، واهتمامه العميق بالإنسان البسيط دون خطابية أو تصنع.

في هذا الحوار، يكشف دكتور صلاح معاطي أسرار قدرة يحيى حقي على النفاذ إلى وجدان القارئ، ويقدم رؤيته حول أهمية تراثه الفكري والأدبي في زمن باتت فيه الأصوات العالية أكثر جذبًا من الصمت العميق والعمل المؤثر.

هل بقي يحيى حقي في الذاكرة بوصفه صاحب «قنديل أم هاشم»، أم بوصفه رؤية متكاملة للثقافة؟

لقد تأثر يحيى حقي بهذا الجو الذي ارتبطت فيه الأسطورة بالموروث الشعبي، ونشأ مشبعًا بأريج المكان وعبقه، فصار في حياته مدفوعًا بهذا العطر الذي جمع من حوله الأحباب.

ومن السيدة زينب بدروبها وأزقتها وحاراتها، انطلق يحيى حقي إلى أقصى الصعيد بقُراه البعيدة، وأهله الفقراء، يتجول في الطرقات فيرى وجوه الكادحين القانعين برحلة الحياة؛ تلك الوجوه التي لا تفارقها الابتسامة على الرغم من شظف العيش.

فيعيش يحيى حقي بين الفلاحين، يأكل سريسهم ويشرب شايهم، يشاهد بعينيه الفقر وهو يتعانق مع الجهل والتخلف، ويستمع إلى أغانيهم ويستعذب ألحانهم، ويتألم لألمهم، ويتعرف على معتقداتهم وأفكارهم، لتتغلغل إلى نفسه موروثات وأساطير جديدة يصارعها بفكره وعقله وثقافته.

ويرتحل يحيى حقي من خلال عمله الدبلوماسي إلى بلاد أخرى أكثر تقدمًا ورقيًا ومدنية؛ باريس وروما وإستانبول، فيتجول في المعارض والمسارح ودور السينما والأوبرا، ويلتقي بالموسيقى الصاخبة والفنانين التشكيليين في الميادين العامة، حيث يعرضون لوحاتهم وتماثيلهم.

لم يصدم يحيى حقي، فطبيعة الحياة جعلته يتأمل فقط، يختزن ويقارن. فالصراع داخله لم يكن صراعًا بين فقر وغنى، ولا بين تقدم وجهل، ولا بين علم وإيمان.

لم يتأثر برهبة التقدم والمعمار، ولم يهزه بريق المدنية الحديثة، فالصراع الأزلي الذي كان يشغله هو صراع الإنسان مع غرائزه ورغباته المكبوتة ومغريات الحياة.

فماذا يفعل هذا الصعيدي الفقير البسيط، الذي يسعى من أجل سد رمقه، لو وجد نفسه وسط باريس وشاهد بعينيه العمارات الفارهة السامقة والأضواء المبهرة المنبعثة من المحلات.

يحيى حقي استمر لأنه حقيقة رؤية متكاملة للثقافة، استوعب كل مراحل الثقافة التي مر بها، سواء من خلال عمله بالصعيد كوكيل للنيابة، أو كملحق بوزارة الخارجية في جدة وروما وباريس، أو في عمله بوزارة الثقافة المصرية بعد ذلك، ثم رئاسته لتحرير مجلة المجلة.

فأعطانا حالة ثقافية متكاملة. كما أنه يعتبر جسراً بين الثقافة الغربية والثقافة العربية، وجسراً آخر بين الرواد الأوائل في كتابة الرواية والقصة وبين الأجيال التالية.

ما سر قدرة يحيى حقي على النفاذ إلى أعماق الإنسان البسيط دون خطابية أو ادعاء؟

يحيى حقي، المولود بدرب الميضة بالسيدة زينب، تربى بين هؤلاء البسطاء والكادحين والأرزقية من أهالي هذا الحي العريق.

كان يتجول في أنحاء الحي وعلى أعتاب المقام، متأملًا وجوه الناس الآتية والذاهبة يلتمسون الخير والبركة، متابعًا أدعية زوار البيت وتمتماتهم وخزعبلاتهم وأحاجيهم ومعتقداتهم الموروثة.

كانت بعض النساء يقصدن البيت ليبتغين حجابًا يحفظهن من عيون الناس، وأخريات يأتين إلى المقام لتتلمس طريق ابنها الغائب، وأخرى تعمل عملًا لا ينفك أثره لكي يعود بالوبال على زوجها الذي تزوج عليها وجلب إلى الدار ضرة لتنكد عيشها

حتى عندما اتجه للعمل في الصعيد، كان همه الأول هو الإنسان البسيط، ومن هنا استطاع يحيى حقي أن يعيش بين هؤلاء البسطاء، ويعبر عنهم وعن قضاياهم ومشاكلهم دون ادعاء أو خطابية، وإنما بصدق حقيقي. فقدم لنا في أعماله الأدبية نماذج حية لهذا الإنسان البسيط مثل عباس البوسطجي وبمبة الشغالة في قصة احتجاج، وغيرهما.

هل ما زالت شخصيات يحيى حقي قادرة على تمثيل الإنسان العربي اليوم؟

بالطبع، لأن يحيى حقي يكتب عن الإنسان بوجه عام، والإنسان الشرقي بوجه خاص، لذلك ما زالت هذه الشخصيات قادرة حتى الآن على التعبير عن قضايا الإنسان المصري والعربي ومشاكله.

وخلال رحلة حياته الطويلة التي تجاوزت السابعة والثمانين، لم تزد أعماله عن ثمانية وعشرين كتابًا فقط، لكن هذه الكتب تعتبر خلاصة الأدب والإبداع العربي.

نجد فيها القصة القصيرة كما في مجموعاته: دماء وطين، عنتر وجولييت، أم العواجز، الفراش الشاغر. والرواية كما في رواياته: قنديل أم هاشم، البوسطجي، صح النوم. وروايته السيرية: خليها على الله.

ـ وفي النقد كتب: خطوات في النقد، دراسات في القصة.

ـ وعن السينما: كتاب في السينما.

ـ والمقالات المسرحية: مدرسة المسرح.

ـ والشعر: له شعر.

ـ وعن فن العمارة والفنون التشكيلية: في محراب الفن.

ـ وفي أدب الرحلات: حقيبة في يد مسافر.

ـ وعن الموسيقى: تعال معي إلى الكونسير.

ـ وفي الفن الشعبي: يا ليل يا عين.

ـ والتاريخ: صفحات من تاريخ مصر.

ـ والكتابات الدينية: على فيض الكريم.

كل فرع من هذه الأفرع هو ساحة ممتدة من الإبداع، ولجها كاتبنا الكبير بعمق وبساطة في آن واحد.

حتى في مقالاته التي تناول فيها الشخصيات والحياة، كما في ناس في الظل وكناسة الدكان، سنلاحظ أنها كتبت بأسلوب قصصي أسماه هو "اللوحة"، تقترب مما يسميه البعض الآن "ومضة"، لكن لوحات يحيى حقي بلغت من العمق والصياغة والأسلوب واللغة ما يشبع نفس القارئ النهمة إلى المعرفة ويتمتع بجماليات الكتابة الأدبية.

كيف قدم يحيى حقي الصراع بين العقل والروح دون أن ينحاز بشكل فج لأي طرف؟

يحيى حقي لا يقدم الصراع بين العقل والروح كصراع صفري، بل كحوار دائم داخل الإنسان، يكمن نضجه الفني في أنه يجعل القارئ يدرك أن إنسانية الإنسان تكتمل بتجاورهما، لا بانتصار أحدهما. وكثيرًا ما تنتهي أعماله دون حل نهائي للصراع، وكأن الكاتب يؤمن أن التوازن بين العقل والروح عملية مستمرة لا قرارًا نهائيًا.

قدم يحيى حقي الصراع بين العقل والروح بطريقة تقوم على التوازن والتجاور، لا على الحسم أو الانتصار، وذلك من خلال مجموعة من الأساليب الفنية والفكرية التي جعلت موقفه غير فجّ أو مباشر، ومن أبرزها: الشخصيات المركّبة لا الرمزية الصريحة.

لم يجعل العقل والروح شخصيتين متقابلتين بوضوح أخلاقي (خير/شر)، بل قدمهما داخل شخصية واحدة أو بين شخصيات متقاربة، لكل منها مبرراته الإنسانية، فيبدو الصراع داخليًا طبيعيًا لا معركة أيديولوجية.

ففي قنديل أم هاشم، على سبيل المثال، فالرواية قائمة على المصالحة، لا الانتصار لأحدهما، ويجسّد إسماعيل الصراع بين العقل، ممثلاً في العلم الحديث الذي تعلّمه في أوروبا، والروح، ممثلة في الإيمان الشعبي بقنديل أم هاشم.

في البداية، يبدو إسماعيل منحازًا للعقل العلمي، فيرفض الموروث الروحي ويهاجمه بعنف، لكن فشله في علاج فاطمة يكشف له أن العلم وحده لا يكفي إذا انفصل عن وجدان الناس.

وفي النهاية، لا يعود إلى الخرافة، ولا يتخلّى عن العلم، بل يصل إلى حل وسطي: علم يحترم الإيمان، وإيمان لا يعادي العقل. وهنا يتجنّب يحيى حقي الانتصار لطرف واحد، ويقدّم التوازن بوصفه الحل الإنساني.

الاعتماد على التجربة الإنسانية اليومية: الصراع عند يحيى حقي ينبع من مواقف حياتية بسيطة (المرض، الحب، الإيمان، الشك، العلم)، لا من جدل فلسفي مباشر، فيشعر القارئ أن العقل والروح احتياجان متكاملان يعيشان في الإنسان الواحد.

فلا ينتصر للروح ضد العقل، ولا للعقل ضد الروح، بل ينتقد التطرف في أي منهما: العقل حين يتحول إلى جفاف أو تعالٍ على الإنسان، والروح حين تنفصل عن الواقع أو تتحول إلى خرافة.

كيف استطاع يحيى حقي أن يكتب بلغة بسيطة لكنها مشحونة بالعمق والدلالة؟

تتميز اللغة عند يحيى حقي بخصوصية واضحة جعلته من أبرز مجددي النثر العربي الحديث، إذ جاءت لغةً بسيطة في ظاهرها، عميقة في دلالتها، تجمع بين الدقة الفنية والصدق الإنساني، ويمكن إبراز سماتها فيما يلي:

1. البساطة والوضوح: ابتعد يحيى حقي عن الزخرفة اللفظية والبلاغة الخطابية، واختار لغة قريبة من الكلام اليومي، سهلة الفهم، لكنها غير سطحية، قادرة على التعبير عن أدق الانفعالات النفسية دون تعقيد.

2. الدقة والاقتصاد اللغوي: لغته مقتصدة ومحسوبة، لا كلمة زائدة ولا جملة عابرة، فكل لفظة تؤدي وظيفة فنية أو نفسية، وهو ما أكسب نصوصه كثافة دلالية عالية رغم قصرها.

3. المزج بين الفصحى والعامية المهذبة: استخدم العامية المصرية استخدامًا فنيًا محدودًا، خاصة في الحوار، دون الإخلال بفصاحة النص، فجاءت لغته حيّة، صادقة، ومعبرة عن البيئة والشخصيات.

3. اللغة التصويرية الهادئة: لا يعتمد على الصور البلاغية الصاخبة، بل على اللمسة التصويرية الدقيقة، والتشبيه البسيط الذي يخدم المعنى ويعمّقه دون افتعال.

4. النزعة التأملية: تحمل لغته بعدًا فلسفيًا وتأمليًا، يطرح الأسئلة أكثر مما يقدّم الأحكام، وهو ما ينسجم مع رؤيته المتوازنة للإنسان والحياة.

5. السخرية الرقيقة: تتسلّل السخرية إلى لغته دون قسوة أو تهكّم جارح، فتكون أداة كشف لا إدانة، وإضاءة لا فضحًا.

ولهذا بدت نصوصه قريبة من القارئ، عميقة الأثر، قادرة على البقاء، لأنها تخاطب العقل والروح معًا.

كيف قدم يحيى حقي نموذجًا مختلفًا للمثقف بلا صخب، بلا ادعاء بطولة؟

قدم يحيى حقي نموذجًا مغايرًا للمثقّف، يقوم على الهدوء والصدق والتواضع، لا على الصخب والخطابة أو ادّعاء البطولة، وجعل من الثقافة موقفًا أخلاقيًا وسلوكًا إنسانيًا أكثر منها شعارًا أو استعراضًا، ويتجلّى ذلك في الآتي:

ـ المثقّف إنسان عادي لا بطل استثنائي: لم يصوّر المثقّف عنده بوصفه منقذًا أو قائدًا ملهمًا، بل إنسانًا يخطئ ويتعلّم، مثل إسماعيل في قنديل أم هاشم الذي يتعثر قبل أن ينضج، والبوسطجي الذي يمتلك قدرًا من التعليم دون وعي أخلاقي.
فالمعرفة وحدها لا تصنع بطولة، بل قد تتحوّل إلى عبء إن انفصلت عن الضمير.

ـ رفض الخطابة والادّعاء الفكري: لغة يحيى حقي هادئة، تأملية، تخلو من الشعارات، وهو ما ينسحب على صورة المثقف في أعماله: لا يصرخ، لا يرفع لافتات، ولا يقدّم نفسه وصيًا على المجتمع، بل يعيش الأسئلة ويتحمّل الحيرة.

ـ الثقافة مسؤولية لا امتياز: المثقّف الحقيقي عند يحيى حقي لا يتعالى على الناس، ولا يحتقر الموروث الشعبي، ولا ينعزل داخل برج عاجي، وإنما يسعى إلى الفهم والتواصل، كما انتهى إسماعيل إلى احترام وجدان الناس دون التخلّي عن العلم.

ـ البطولة الصامتة لا الاستعراضية: بطولته إن وجدت تكون داخلية في المراجعة الذاتية، وفي التواضع أمام الواقع، وفي الاعتراف بالخطأ، وهي بطولة أخلاقية هادئة، لا تعلن نفسها ولا تطلب تصفيقًا.

ـ نقد المثقف الزائف دون تشهير: ينتقد يحيى حقي نموذج المثقف المزيّف: المتعالِ بعلمه، أو المستهين بالناس، أو المستغل لمعرفته. لكن نقده يتم عبر السرد والموقف، لا عبر الوعظ أو الاتهام المباشر.

هل كان يحيى حقي مثقفًا منحازًا للناس أم منحازًا للقيم؟

يمكن القول إن يحيى حقي لم يكن مثقّفًا منحازًا للناس ضد القيم، ولا منحازًا للقيم بمعزل عن الناس، بل كان منحازًا إلى الإنسان حين يحقّق القيم في واقعه؛ أي إلى منطقة التوازن بين الطرفين.

انحيازه للناس: الفهم لا التبرير: انحاز يحيى حقي إلى الناس بوصفهم كائنات محدودة، تعيش الفقر والجهل والمرض، وتبحث عن معنى وأمان. لذلك لم يسخر من الإيمان الشعبي، ولم يحتقر البسطاء، بل حاول فهمهم من الداخل، كما في قنديل أم هاشم ودماء وطين. لكنه لم يبرّر الخطأ لمجرد أنه شعبي، ولم يقدّم الجهل أو الخرافة بوصفهما فضيلة.

انحيازه للقيم دون تجريد أو وعظ: كان منحازًا لقيم: العقل، العلم، الصدق، المسؤولية، الكرامة الإنسانية. لكن هذه القيم عنده ليست شعارات معلّقة في الفراغ، بل قيم يجب أن تُفهم في سياق اجتماعي، وتُمارَس برفق، وتُغرس بالحوار لا بالصدمة. لذلك رفض فرض القيم بالقوة أو التعالي، كما فعل إسماعيل في بدايته.

من هنا جاءت أعماله مساحة للتفاوض بين الطرفين، لا لمحاكمة أحدهما لصالح الآخر.

ما الذي يمكن أن يتعلمه مثقف اليوم من ثقافة يحيى حقي وتراثه الفكري والإبداعي؟

يمكن لمثقّف اليوم أن يتعلّم من ثقافة يحيى حقي وتراثه الفكري والإبداعي دروسًا عميقة في الوعي، والتواضع، وأخلاقيات المعرفة، تبدو شديدة الراهنية رغم تغيّر الزمن، وأبرز هذه الدروس:

1. التواضع المعرفي بدل ادّعاء اليقين: فقد علّمنا يحيى حقي أن المثقّف لا يمتلك الحقيقة كاملة، ولا يتحدث من موقع العصمة، بل يراجع نفسه ويعترف بالخطأ، وهو درس مهم في زمن الاستقطاب الحاد والآراء المطلقة.

2. الثقافة موقف أخلاقي لا استعراض معرفي: فلم يتعامل مع الثقافة كزينة لغوية أو استعراض فكري، بل كممارسة تحترم الإنسان، ترفض الإهانة، وتدافع عن الكرامة بصمت، وهو نقيض ثقافة "الترند" والضجيج الخطابي اليوم.

3. الإنصات للناس قبل توجيههم: من تراثه نتعلّم أن المثقّف يفهم المجتمع قبل أن ينتقده، ينصت إلى وجدان الناس ومخاوفهم، ولا يفرض القيم بعلوّ أو صدمة، وهو درس حاسم في العلاقة المتوترة اليوم بين النخب والجمهور.

4. النقد من الداخل لا من موقع التعالي: نقده للمجتمع لم يكن تشهيرًا أو إدانة، بل محاولة إصلاح من الداخل، عبر الفهم والمشاركة الوجدانية. وقدّم نموذج المثقّف الذي يعمل في الظل، ويترك الأثر لا الضجيج، ويغيّر بالعقل والصبر لا بالشعارات.

لماذا لا يحضر يحيى حقي بالقدر الكافي في المناهج والقراءات الجديدة؟ هل ظلمناه بالاختزال في عمل واحد؟

نعم، ظُلم يحيى حقي بالاختزال في عمل واحد. اختُزل غالبًا في قنديل أم هاشم، وكأنها تمثّل مشروعه كاملًا، بينما هي في الحقيقة مدخل مبكّر فقط إلى عالمه، ولا تختزل تنوّع أساليبه، ولا عمق رؤيته النقدية والإنسانية.

هذا الاختزال حرم القارئ من أعماله المهمة: البوسطجي (النقد الاجتماعي القاسي بلا خطابية)، ودماء وطين (الوعي الاجتماعي والطبي)، ومقالاته النقدية والفكرية الرصينة، ولغته التجريبية الدقيقة في القصة القصيرة.

المنهج التعليمي يبحث غالبًا عن نص واضح الأطراف "علم × خرافة"، فكرة قابلة للاختزال في "درس"، بينما عالم يحيى حقي أكثر رحابة من ذلك، فهو متوازن، قائم على الأسئلة لا الإجابات، وهذا لا يناسب منطق المناهج الأكاديمية.

لم يكن يحيى حقي ثوريًا خطابيًا، ولا كاتب شعارات، ولا صاحب موقف سياسي صارخ، في زمن تهيمن فيه السرديات الكبرى والبطولات الفكرية والاستقطابات الحادة. يبدو صوته الهادئ أقل جذبًا للسطح الإعلامي والمناهجي، فصار من الصعب "تصنيفه"، والمناهج تميل إلى الأسماء سهلة التصنيف.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء