صلاح معاطي: يحيى حقي تعرض للظلم.. واختزلت أعماله في «قنديل أم هاشم»| خاص
أكد الدكتور صلاح معاطي أن الكاتب يحيى حقي تعرض للظلم الأدبي، إذ جرى اختزال عمله في عمل واحد فقط، إذ اقتصر التركيز غالبًا على رواية «قنديل أم هاشم»، وكأنها تمثل مشروعه الأدبي كاملًا، بينما في الواقع هي مجرد مدخل مبكر إلى عالمه الإبداعي، ولا تعكس تنوع أساليبه الأدبية أو عمق رؤيته النقدية والإنسانية.
وأضاف في تصريحات خاصة لموقع «إيجبتك»، أن هذا الاختزال حرم القراء من الاطلاع على أعماله المهمة الأخرى، مثل «البوسطجي» الذي يقدم نقدًا اجتماعيًا قاسيًا بلا خطابية، و«دماء وطين» الذي يعكس وعيه الاجتماعي والطبي، إلى جانب مقالاته النقدية والفكرية الرصينة، ولغته التجريبية الدقيقة في القصة القصيرة.
وأشار إلى أن المناهج التعليمية غالبًا تبحث عن نصوص واضحة المعالم، قابلة للاختزال في درس واحد، بينما عالم يحيى حقي أوسع وأكثر رحابة، قائم على الأسئلة وليس الإجابات، وهذا لا يتناسب مع منطق المناهج الأكاديمية.
وأوضح أن يحيى حقي لم يكن ثوريًا خطابياً، ولا كاتب شعارات، ولا صاحب موقف سياسي صارخ، في زمن كانت فيه السرديات الكبرى والبطولات الفكرية والاستقطابات الحادة هي المسيطرة، وأضاف أن صوت حقي الهادئ كان أقل جاذبية للسطح الإعلامي والمناهجي، ما صعّب تصنيفه، في حين تميل المناهج إلى الأسماء سهلة التصنيف.
وأكد أن تأثر يحيى حقي بالموروث الشعبي بدأ منذ طفولته في حي السيدة زينب، إذ نشأ مشبعًا بأريج المكان وعبقه، ومن هناك انطلق إلى أقصى الصعيد بقراه وأهله الفقراء، يتجول في الطرقات ليرى وجوه الكادحين القانعين برحلة الحياة، الذين لا تفارق الابتسامة وجوههم رغم شظف العيش.
وتابع أنه رغم عمله الدبلوماسي في باريس وروما وإستانبول، إذ تجول في المعارض والمسارح ودور السينما والأوبرا، لم يصدمه بريق المدنية أو التقدم العمراني، بل ظل متأملًا يختزن ويقارن، فالصراع الذي شغله كان داخليًا: صراع الإنسان مع غرائزه ورغباته المكبوتة ومغريات الحياة، لا بين فقر وغنى أو تقدم وجهل.
وأشار إلى أن يحيى حقي استمر في تقديم رؤية متكاملة للثقافة، مستوعبًا كل مراحلها، سواء من عمله بالصعيد كوكيل للنيابة، أو كملحق بوزارة الخارجية في جدة وروما وباريس، أو في وزارة الثقافة المصرية، وصولًا إلى رئاسته تحرير مجلة «المجلة». وبذلك أصبح جسراً بين الثقافة الغربية والعربية، وبين الرواد الأوائل في الرواية والقصة والأجيال التالية.
وأضاف أن سر قدرة يحيى حقي على النفاذ إلى أعماق الإنسان البسيط دون خطابية أو ادعاء يعود لنشأته في حي الميضة، حيث تربى بين البسطاء والكادحين، متابعًا أحوالهم وهمومهم، ما مكنه من تقديم شخصيات حقيقية مثل عباس البوسطجي وبمبة الشغالة، التي تعكس صدق الإنسان العادي وواقعه.
وأكمل أن يحيى حقي، خلال حياته الطويلة التي تجاوزت السابعة والثمانين، أصدر 28 كتابًا شملت الرواية («قنديل أم هاشم» و«البوسطجي» و«صح النوم»)، والقصة القصيرة («دماء وطين» و«عنتر وجولييت» و«الفراش الشاغر»)، والرواية السيرية («خليها على الله»)، والنقد («خطوات في النقد» و«دراسات في القصة»)، بالإضافة إلى أعمال في السينما، والمسرح، والشعر، والفنون التشكيلية، والعمارة، والموسيقى، والفن الشعبي، وأدب الرحلات، والتاريخ، والكتابات الدينية.
واختتم أن كل فرع من هذه الأفرع يمثل ساحة ممتدة من الإبداع، ولجها يحيى حقي بعمق وبساطة في آن واحد، مقدمًا تجربة ثقافية متكاملة. كما أن مقالاته التي تناول فيها الشخصيات والحياة، مثل «ناس في الظل» و«كناسة الدكان»، كتبت بأسلوب قصصي أسماه «اللوحة»، وهو قريب مما يسميه البعض الآن «الومضة»، لكنها بلغت من العمق والأسلوب واللغة ما يشبع القارئ النهم للمعرفة ويتمتع بجماليات الكتابة الأدبية.