رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تقرير لمركز باستيت: دوافع وتداعيات الصعود العسكري لألمانيا

أرشيفية
أرشيفية

وافق البرلمان الاتحادي الألماني "البوندستاغ" على الميزانية الجديدة لعام ٢٠٢٦، والتي تضمنت تخصيص ١٠٨ مليارات يورو للدفاع، بزيادة قدرها ٢١,٨ مليار يورو عن العام الماضي، لتصبح ألمانيا صاحبة أعلى إنفاق عسكري داخل القارة الأوروبية، لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، متجاوزةً النظير البريطاني للمرة الأولى أيضًا.

وصل الإنفاق الدفاعي الألماني اليوم إلى ٢,٨٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وتعتزم "برلين" زيادة هذه النسبة لتصل إلى ٣,٥٪ بحلول عام ٢٠٢٩.

لم تكن هذه الخطوة مفاجئة، بل إنها تعتبر استمرارًا للمسار الذي سلكته برلين، عقب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية، حيث لم ينتظر المستشار الألماني "أولاف شولتس" مرور أكثر من ثلاثة أيام على بدء اندلاع الحرب، ليقف أمام البوندستاغ يوم ٢٧ فبراير عام ٢٠٢٢، معلنًا إعادة توجيه نفقات البلاد نحو إعادة التسليح، من خلال إنشاء صندوق بقيمة ١٠٠ مليار يورو موجه لتحديث الجيش.

كان هذا الخطاب التاريخي بمثابة إعلان القطيعة مع النهج، الذي سلكته ألمانيا منذ إعادة التوحيد، والذي نتج عنه جيش صغير، بهدف مواجهة تحديات الإرهاب، والانخراط في مهام حفظ السلام للأمم المتحدة، بينما اعتمدت برلين بشكل شبه كامل على المظلة الأمنية الأمريكية، وحلف شمال الأطلسي في مواجهة التهديدات الكبرى.

غير أنه منذ صعود "ترامب" لرئاسة الولايات المتحدة، أصبح من الصعب التعويل على "واشنطن" في هذا الصدد، حيث بات تفعيل المادة الخامسة من ميثاق "الناتو" الخاصة بالدفاع المشترك من جانب الولايات المتحدة أمرًا محل شك.

يمكن القول إن إعادة ألمانيا لبناء قدراتها العسكرية، مدفوعة بتحديات خارجية عدة، منها الخطر الروسي، والتشكيك في ضمانات الحماية الأمريكية، إضافة إلى تحديات داخلية، أبرزها الزخم الذي حصلت عليه التيارات اليمينية، التي كثيرًا ما نادت بضرورة إنشاء قوة عسكرية، تعمل خارج إطار "الناتو".

هذا التوجه الألماني أثار مخاوف كامنة لدى الدول الأوروبية، التي لا تزال عالقة في ذكريات الحقبة النازية، التي أذاقت كافة دول القارة الدمار الشامل.

 

العقيدة العسكرية الألمانية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية.

 

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بهزيمة ألمانيا وباقي دول المحور، تشكل نهج جديد في العقيدة الألمانية، مناهض للعسكرة، ويهدف لاستبدال القوة الاقتصادية والوسائل الدبلوماسية بالقوة العسكرية، وتم تعزيز هذا النهج بنصوص قانونية، جرى صياغتها في الدستور الألماني "القانون الأساسي"، الذي وضع قيودًا صارمة على استخدام القوة العسكرية، كما منح دورًا مركزيًا للسلطة التشريعية في اتخاذ القرار، فيما يخص الأمور المتعلقة بالدفاع، وبهذا لعبت المؤسسات الألمانية دورًا محوريًا في منع انزلاقات الماضي، والإرث النازي.

هذا النهج المغاير للعقيدة الألمانية منذ قيام الدولة في عام ١٨٧١ لم يكن مدفوعًا فقط بكم الدمار، الذي خلفته الحرب العالمية الثانية، لكن الجانب الأخلاقي لعب دورًا رئيسيًا في هذا الصدد، كما عزز الرأي العام الألماني من هذا التوجه، حيث ارتبطت العسكرة في الوعي الجمعي الألماني بالتجربة النازية، التي شهدت شن حروب عدوانية وتوسعية، أدت إلى دمار القارة الأوروبية، ومن ثم أصبحت النخب الحاكمة، تواجه العديد من القيود والعراقيل في التعامل مع القضايا العسكرية، حتى في ظل التهديدات الأمنية المتغيرة (1).

في هذا السياق أصبح اللجوء للقوة العسكرية في التعامل مع التهديدات المختلفة أمرًا غير يسير، حتى تحت مظلة المنظمات الدولية، فبعد انتهاء الحرب الباردة، وظهور تهديدات جديدة على الساحة الدولية، كفيلة بتطبيع الدور العسكري الألماني، أظهر الوعي الجمعي الألماني والنخبة السياسية مقاومة لتغيير تلك العقيدة التي ترسخت على مدار أكثر من نصف قرن.

لهذا فإن الدوافع الألمانية اليوم لإعادة التسلح، لا يمكن رؤيتها كاستجابة آنية للتهديدات، التي طرأت على الساحة الدولية مؤخرًا، بل إنها عملية معقدة تصطدم بإرث الماضي.

 

دوافع ألمانيا لإعادة التسلح.

 

أدت الحرب الروسية- الأوكرانية إلى تغيرات بنيوية في النظام الأمني الأوروبي ككل، حيث انتقلت القارة من مرحلة الاستقرار والسلم الممتد، منذ انتهاء حقبة الحرب الباردة، إلى المرحلة الراهنة، التي تتسم بعدم اليقين، نتيجة عودة التهديدات العسكرية التقليدية، وأبرزها التلويح بإمكانية تغيير الحدود بالقوة، مع توظيف الردع النووي لهذا الغرض، إضافة إلى التهديدات التي كانت قد تغافلت عنها القارة الأوروبية خلال العقود الماضية.

في هذا السياق أصبح من غير المعقول أن تستمر برلين في اتباع نهجها القديم، الذي ارتكز على ثقلها الاقتصادي، والدبلوماسي، مع تنحية الجانب العسكري الذي عولت فيه على ضمانات واشنطن الدفاعية، ومظلة حلف شمال الأطلسي.

يرى تقرير The Military Balance الصادر سنويًا عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية: أن هناك فجوة بين ثقل ألمانيا الاقتصادي، التي أصبحت الاقتصاد الأكبر داخل القارة، وبين قدراتها العسكرية الهزيلة، هذا التباين بات محل انتقاد من قبل حلفاء برلين في القارة، لاسيما مع التهديدات التي يواجهها الجانب الشرقي لحلف شمال الأطلسي، حيث لا تقتصر عملية إعادة التسلح الألماني على التوجه الداخلي فقط، بل إنها جزء من إطار أوسع يتعلق بمتطلبات الردع الجماعي.

في هذا الإطار، تأتي الخطوة الألمانية برفع ميزانية الدفاع، وإنشاء صندوق خاص للتسليح، كجزء من إعادة تموضع داخل الناتو، يهدف إلى تعزيز المصداقية الألمانية كشريك أمني موثوق، يتقاسم أعباء الردع مع الولايات المتحدة (2).

 

نظرة الحلفاء لتوجه ألمانيا الجديد.

 

تهدف ألمانيا اليوم إلى إعادة رسم دورها داخل الاتحاد الأوروبي، لتنتقل من القوة الاقتصادية الأكبر، التي يتم التعويل عليها في الأمور المالية داخل الاتحاد الأوروبي، إلى قوة ذات ثقل عسكري، وسياسي، تقوم برسم السياسات الدفاعية داخل الناتو، لكن هذا النهج قد لا يقتصر على الجانب الإيجابي بالنسبة لحلفاء برلين، الذين رحبوا بالسياسة الألمانية الجديدة، فعلى الرغم من انتقادات الحلفاء الغربيين لألمانيا، طيلة العقود الماضية، لتخليها عن تقاسم الأعباء الدفاعية معهم، إلا أن هذا التوجه الألماني الجديد يحمل الكثير من التوجس من الحلفاء نفسهم، خوفًا من تكرار السيناريو النازي الذي من الصعب محوه من الأذهان، والذي أشرنا إليه من قبل.

يمكن القول إن استعادة ألمانيا لقوتها سلاح ذو حدين، فمن جهة قد يؤدي إلى تحول ألمانيا لرقم محوري داخل حلف الناتو، لاسيما في ضوء التشكك في جدية الضمانات الأمريكية للأمن داخل القارة، ومن جهة أخرى قد يؤدي هذا الدور إلى غياب توازن القوى داخل القارة، نظرًا لما تتمتع به برلين من قدرات اقتصادية وتكنولوجية، تستطيع من خلالها أن تتحول إلى قوة يصعب التعامل معها، أو التنبؤ بسلوكها المستقبلي، الذي قد ينحرف عما هو عليه اليوم.

كذلك قد يأتي هذا الدور على حساب فرنسا، التي طالما عرفت نفسها بأنها العمود الفقري للأمن الأوروبي المستقل، فصعود ألمانيا يمكنها من صياغة استراتيجيات الدفاع، داخل حلف الناتو، الأمر الذي قد ينشأ عنه صراعات غير مباشرة بين العدوين التاريخيين (3).

تتعاظم هذه المخاوف، في ظل صعود التيارات اليمينية المتطرفة داخل ألمانيا، ومن أبرزها حزب "البديل من أجل ألمانيا" فهذه الأحزاب لا تعارض الصعود العسكري في حد ذاته، بل إنها توجه الانتقادات للمؤسسات فوق القومية، ومن ثم ترفض أن يكون العمل الدفاعي داخل الإطار الجماعي، سواء في الاتحاد الأوروبي، أم داخل حلف الناتو (4).

لذلك فإن غياب الدور المؤسسي الذي يعتبر الضامن لوجود إطار سياسي مستقر وقائم على الثقة المتبادلة، يمكن أن يعظم من التوجهات الأحادية، لاسيما في حال تآكل توازن القوة داخل القارة، ما قد ينتج عنه سياقات يصعب التنبؤ بها، خصوصًا أن صعود اليمين المتطرف في ألمانيا يتوازى مع صعود التيارات نفسها داخل باقى دول القارة.

أما بالنسبة للعلاقة عبر الأطلسي فإن هذا التحول يثير بعض التحديات في العلاقات الأمريكية- الألمانية، فمن جهة قد يزيد هذا الصعود العسكري من إحساس واشنطن بالقلق من تراجع تأثيرها الإستراتيجي في أوروبا، خاصة إذا ما تم تفسير الطلب الأوروبي للاستقلال الأمني على أنه إضعاف للروابط التقليدية.

ومن جهة أخرى، قد يدفع هذا الوضع الولايات المتحدة إلى إعادة تقييم دورها في القارة، وتبني قواعد جديدة للتعاون مع حلفائها الأوروبيين، بحيث تكون أكثر توازنًا في ما يتعلق بتحمل الأعباء والمسؤوليات الدفاعية.

 

انعكاسات الصعود العسكري الألماني على العلاقات مع روسيا.

 

انخرطت كل من برلين وموسكو في علاقات تعاون اقتصادي واستراتيجي قائم على المنفعة المتبادلة، منذ انتهاء الحرب الباردة، وقد ظهر هذا التعاون من خلال الاعتماد الكبير من جانب ألمانيا على مصادر الطاقة الروسية، والتي تجلت في تدشين مشروع نورد ستريم، الذي يهدف إلى نقل الغاز الطبيعي من الأراضي الروسية إلى دول أوروبا عن طريق ألمانيا.

إلا أن الحرب الروسية - الأوكرانية مثلت لحظة فارقة في هذه العلاقة، فقد قال المستشار الألماني "أولاف شولتس" عقب توليه السلطة: "إن الحرب في أوكرانيا تمثل لحظة فاصلة في فهم برلين لطبيعة العلاقات مع روسيا".

هذا ما دفع برلين إلى إعادة تقييم دورها العسكري والدبلوماسي في أوروبا، فألمانيا التي طالما لعبت دورًا دبلوماسيًا في إدارة الاستقطاب بين روسيا والدول الأوروبية، من خلال الحوار والتعاون الاقتصادي، تخلت اليوم عن دورها الحيادي، وباتت طرفًا محوريًا في معادلة مواجهة النفوذ والخطر الروسي المتنامي.

وبخلاف المسئولين يمكن لمس هذا التحول في العلاقات على الأرض من خلال تشكيل ألمانيا لوحدات عسكرية تتمركز في دول البلطيق، وتعمل في إطار حلف الناتو، حيث يرى بعض المراقبين الروس أن الصعود العسكري لبرلين يقوض الخطاب الألماني التقليدي، القائم على عدم التدخل والتحفظ العسكري، وتحول دون إمكانية إعادة بناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل والتفاهم الاستراتيجي.

بعد أن كانت ألمانيا شريكًا اقتصاديًا مهمًا بالنسبة لروسيا، ومعبرًا حيويًا للنفوذ الأوروبي، صار الدور الألماني ينظر إليه في موسكو على أنه تهديد مباشر للهيمنة الروسية في الفضاء الأوروبي، خاصة مع دعم برلين المستمر لأوكرانيا عسكريًا وسياسيًا، ما أثار غضب القيادة الروسية التي رأت في هذا الدعم جزءًا من استراتيجية عزل موسكو وتقويض مصالحها الأمنية.

كذلك أدى النهج الألماني الجديد إلى تجمد الحوار السياسي على المستوى الثنائي بين الطرفين، واتجاه روسيا إلى تبني خطاب أكثر حدة في وصف التحركات الألمانية، بأنها جزء من محاولة "إحاطة روسيا" ومحاولة تقويض مكانتها كقوة كبرى (5).

 

ختامًا.

 

يشكل صعود القوة العسكرية الألمانية منعطفًا تاريخيًا ذا أبعاد استراتيجية واسعة، لا يقتصر أثره على ألمانيا وحدها، بل يمتد إلى الأمن الأوروبي والعلاقات الدولية بشكل عام.

التحول من سياسة التحفظ الاستراتيجي إلى تعزيز الجيش، وبناء قدرات دفاعية قوية، يعكس إدراكًا ألمانيًا بأن الاعتماد على القوى الأخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لم يعد كافيًا في ظل تهديدات متنامية، مثل الأزمة الروسية – الأوكرانية، وتصاعد الضغوط الإقليمية.

مع ذلك، فإن هذه العسكرة الجديدة تضع ألمانيا أمام تحديات دقيقة، فهي مطالبة بموازنة دورها كقوة دفاعية رائدة، مع الحساسية التاريخية، التي ترافق كل خطوة عسكرية ألمانية، خاصة بالنسبة لدول الجوار الأوروبي التي تحمل ذاكرة النزاعات السابقة.

كما أن صعود التيارات اليمينية داخل ألمانيا يضاعف هذه المخاوف، إذ يمكن أن يؤدي إلى توظيف القوة العسكرية لأغراض سياسية داخلية أو قومية، ما يثير قلق الشركاء الأوروبيين ويهدد التوازن داخل الاتحاد.

في هذا الإطار، تصبح المهمة الكبرى لصانع القرار الألماني هي تحويل العسكرة إلى أداة، لضمان الأمن والاستقرار الأوروبي، وليس كوسيلة للهيمنة أو المغامرة، مع الحفاظ على الشفافية السياسية والالتزام بالمبادئ الديمقراطية.

بهذا المعنى، ينظر إلى المستقبل العسكري الألماني، باعتباره اختبارًا حقيقيًا لقدرتها على توظيف قوتها الجديدة بشكل مسؤول، ليصبح دورها ركيزة استقرار وثقة في أوروبا، لا مصدر قلق أو انقسام.

 

 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء