انطلقت صافرات الإنذار مدوية في أركان جزيرة "هاجو" الصغيرة المحاطة بمياه المحيط الأطلسي من كل جانب، فزع السكان لهول مشهد النيران تلتهم السوق الوحيدة في بلدتهم، فلا تبقي على شيء إلا جعلته كالرميم.. فرقة الإطفاء لا تظهر أبداً، فهرع الناس إلى المخفر لحث المأمور على سرعة التحرّك، لكنه كان في نزهته البحرية المعتادة التي يغيب فيها بالأيام، دون أن يتمكن أحد من الوصول إليه، لم تكن مياه البحر لتصل إلى موقع الحريق إلا في آنية صغيرة بجهود النساء والشباب، أما المياه العذبة الدافقة فكانت تتجمّد في الأنابيب، لأن فرق الصيانة كانت تجهل معالجة الأزمة دون تحطيم كامل الشبكات، مما يهدد السكان بالعطش لأيام.
كان المأمور محباً لكل شيء حسن حتى في اختياره لمعاونيه كان ينتقي أجمل فتيات الجزيرة وأكثرهن أناقة، لكنهن لا يملكن أية دراية بالإدارة والتنظيم، فلم يغن حسنهن في هذا الحريق شيئًا، أما فريق الإطفاء فنصفه من الأطفال، لأن الجزيرة لم تعرف من قبل شيئًا من هذا الخطر، ولأن المأمور لم يتوان يومًا عن مجاملة أصدقائه في تعيين أبنائهم وذويهم، اتسعت دائرة الحريق لتصل إلى باحة مبنى البلدية الذي يدبر فيه عمدة الجزيرة مختلف الشئون، وهنا سارع الحرس الخاص للعمدة بالتحرّك لإخماد الحريق بكل ما تصل إليه أياديهم من المياه.
في اليوم التالي لهذا الحادث الأليم، وبعد ساعات من المعاناة لإخماد النيران، فقدت الجزيرة خيرة شبابها وعددًا كبيرًا من الضعفاء الذين حالت دون نجاتهم ألسنة اللهب، أما عن الخسائر المادية والاقتصادية، فقد أحصاها نائب العمدة في بضعة ملايين من الدونات، وهي تقريباً ثلث ما تنتجه الجزيرة الفقيرة في عام!، أقام العمدة بنفسه محاكمة عاجلة للمأمور وفرق الإطفاء وفرق الصيانة، وامتدت التحقيقات إلى كثير من موظفي البلدية الذين كانوا السبب في اختيار المأمور وعدد كبير من الذين أشارت إليهم أصابع الاتهام.
كانت المحاكمة صادمة للجميع، فقد تبيّن أن الجزيرة تفرّغ من الكفاءات بشكل منتظم، وأن كثيرًا ممن عينهم المأمور كانوا يشترون مناصبهم، ويوزعون ما تحت أيديهم من وظائف وفق الأهواء.. لم تكن الصدمة في حجم الفساد وحده، بل في اعتياده وانتظام عقده، فقد كشف التحقيق أن ما جرى لم يكن انحرافًا طارئًا، بل نظامًا مكتمل الأركان، تواطأ عليه التعتيم قبل الرشاوي، وأن الجزيرة التي بدت وادعة على خرائط الملاحة كانت تحترق منذ سنوات، لا بفعل النيران، بل بإهمالٍ متراكم.
أمام منصة المحكمة، وقف المأمور شاحب الوجه، لا ينكر كثيرًا ولا يقر بالكثير، كان يدفع عن نفسه الخطأ باعترافات تبرز الخطأ الأكبر، يتحدث عن “روح الجزيرة”، وعن أن “الأمور كانت تسير على ما يرام”، وأن الحريق “قضاء وقدر”، غير أن شاهدًا مسنًا، كان يعمل في صيانة الأنابيب قبل أن يُستبعد لعدم مجاملته أحدًا، قال بهدوء أشد وقعًا من الصراخ: "القدر لا يجمّد المياه في الأنابيب، أنت فعلت ذلك حين استبدلت الخبرة بالزينة".
توالت الشهادات، وتكشّف أن ملفات التحذير من ضعف البنية التحتية كانت تُحفظ في الأدراج، وأن تقارير التدريب لفرق الإطفاء لم تُقرأ يومًا، وأن الميزانية المخصّصة للطوارئ كانت تُصرف على الاحتفالات الموسمية وزيارات الضيوف، لم تقع المسئولية على شخص بعينه، بيد أن الجميع طالهم نصيب منها.
قضت المحكمة بعزل المأمور وإبعاده عن الجزيرة، وقررت حل فرق الإطفاء والصيانة وإعادة بنائهما من جديد، غير أن الحكم الأشد وقعًا لم يُسطر في محاضر الجلسات، بل ترسّخ في ضمير الأهالي، حين تنبّهوا، بعد طول أمد، إلى أن إسناد الأمور إلى “أهل الثقة” على حساب “أهل الكفاءة” قد كلّفهم أرواحًا أُزهقت، وتاريخًا التهمته النيران، ومستقبلًا بدا أكثر هشاشة.
وبمبادرة من العمدة، اجتمع أهل الجزيرة بعد أسابيع في ساحة السوق المحترقة، حيث لم يبقَ سوى أعمدة سوداء ورائحة رماد، هناك، وبرعايته المباشرة، جرى التوافق على تشكيل مجلس يُنتخب من بين أهل الخبرة والمعرفة بالعمل، لا ممن يجيدون الظهور فحسب، وعلى فتح الوظائف على أساس المنافسة والاستحقاق، وعلى أن يتعلم الأطفال قبل الكبار كيف تُخمَد الحرائق قبل أن تستعر.
لم تعد «هاجو» كما كانت، إذ فقدت جانباً من ثروتها، لكن بقي درس لن ينتسى، فكلما هبّت رياح المحيط، وحملت معها بقايا الرماد، تذكّر أهلها أن «معظمُ النارِ من مستصغرِ الشرر»، وأن ما بدا يومًا مجاملة عابرة أو خطأً هيّنًا كان الشرارة الأولى لحريقٍ أتى على المال والرجال، وكاد أن يلتهم المستقبل.