اتفاق مصري قبرصي على تصدير كامل غاز حقل أفروديت لتعزيز أمن الطاقة
في ظل تحديات الطاقة العالمية وانخفاض الإنتاج المحلي في مصر، يبرز اتفاق تصدير الغاز الطبيعي من حقل "أفروديت" القبرصي إلى مصر كخطوة استراتيجية تعزز التعاون الإقليمي في شرق المتوسط.
يهدف الاتفاق إلى بيع كامل إنتاج الحقل إلى مصر، التي تعاني من زيادة الطلب المحلي، مما يجعلها مركزاً إقليمياً لمعالجة وإعادة تصدير الغاز إلى أوروبا، و مع وصول المشروع إلى مرحلة التصميم الهندسي الأمامي (FEED) في ديسمبر 2025، يتوقع الخبراء بدء الإنتاج الأولي بحلول 2027، وسط مفاوضات مستمرة لإبرام اتفاقيات ملزمة.
حقل "أفروديت"
اكتشف حقل "أفروديت" في عام 2011 ضمن البلوك 12 في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص، على بعد حوالي 170 كيلومتراً جنوب ليماسول، ويحتوي الحقل على احتياطيات تقدر بـ3.5 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، مما يجعله أحد أكبر الاكتشافات في شرق المتوسط، يدير المشروع شركة شيفرون الأمريكية (35% كمشغل)، وشركة شل الهولندية (35% عبر شركتها الفرعية بي جي قبرص)، وشركة نيوميد إنرجي الإسرائيلية (30%).
بدأت الخطط الأولية لتطوير الحقل في عام 2019، لكنها واجهت تأخيرات بسبب خلافات حول التكاليف والخطط الفنية،و في أغسطس 2024، قدمت شيفرون خطة تطوير معدلة إلى حكومة قبرص، تمت الموافقة عليها في فبراير 2025 بتكلفة إجمالية تقدر بـ4 مليارات دولار.
تشمل الخطة إنشاء وحدة إنتاج عائمة (FPU) بسعة 800 مليون قدم مكعب يومياً، وأربع آبار إنتاج أولية، بالإضافة إلى أنبوب تحت البحر لنقل الغاز إلى منشآت الإسالة في دمياط وإدكو بمصر، هذا الخيار يوفر تكاليف بناء مصنع تسييل خاص في قبرص، مقدرة بحوالي 10 مليارات يورو.
التطورات الأخيرة والمفاوضات
في 17 فبراير 2025، وقعت قبرص ومصر مذكرة تفاهم غير ملزمة مع الكونسورتيوم وشركة الغاز الطبيعي المصرية (إيجاس)، تنص على أن تكون إيجاس المشتري الوحيد للغاز من الحقل، مع منح الشركاء خيار شراء كميات معينة كغاز مسال. وفي ديسمبر 2025، وافق الشركاء على بدء مرحلة FEED بميزانية 105.7 مليون دولار (حصة نيوميد 31.7 مليون دولار)، مع ميزانية عام 2026 تصل إلى 111.5 مليون دولار.
هذه الخطوة جاءت بعد إلغاء إشعار انتهاك من حكومة قبرص في أغسطس 2024 بسبب التأخير في بدء FEED.
المفاوضات مستمرة بين الشركاء وحكومتي قبرص ومصر لإبرام اتفاقيات ملزمة للتصدير، مع توقع اتخاذ قرار الاستثمار النهائي (FID) في 2027.
في سياق متصل، عرضت مصر مؤخراً التنازل عن حصتها المحلية (20%) من غاز حقل "كرونوس" القبرصي (اكتشف في 2022، احتياطيات 3 تريليون قدم مكعب)، لتوجيه الكامل إلى منشآتها للتصدير الدولي، مما يسرع المشروع ويعزز الجاذبية التجارية. قال الرئيس القبرصي نيكوس كريستودوليديس خلال لقائه وزير البترول المصري كريم بدوي في 7 يناير 2026: "التعاون في مجال الطاقة يتصدر أجندة الحكومة"، مشيراً إلى لقاء مع وفد إيني في 8 يناير لمناقشة التنفيذ الفني.
أما وزير البترول المصري السابق طارق الملا، فقد أعلن في تصريحات سابقة أن مصر تسعى لتوقيع اتفاق مع قبرص لربط حقل أفروديت، مؤكداً أن "هذا الاتفاق سيعزز أمن الطاقة المصري ويجعل مصر مركزاً إقليمياً".
التأثيرات الاقتصادية والجيوسياسية
يأتي الاتفاق في وقت تعاني فيه مصر من انخفاض إنتاجها المحلي من الغاز، مع زيادة الطلب بنسبة ملحوظة بسبب النمو السكاني والصناعي.
و سيسمح تصدير غاز أفروديت باستخدام منشآت الإسالة المصرية غير المستغلة بالكامل، مما يوفر إيرادات تصدير إضافية تصل إلى ملايين الدولارات سنوياً، ويعزز دور مصر كمركز إقليمي للطاقة. بالنسبة لقبرص، يمثل المشروع فرصة لاستغلال احتياطياتها البحرية، مع توقع إنتاج أولي في 2027-2028، وكامل الإنتاج بحلول 2031.
على المستوى الجيوسياسى ، يعزز الاتفاق الروابط بين قبرص ومصر، وسط تعهد الرئيس كريستودوليديس بتقريب الاتحاد الأوروبي من مصر خلال رئاسة قبرص للاتحاد في النصف الثاني من 2026، كما يرتبط بمشاريع أخرى مثل حقل "كرونوس" (يديره إيني وتوتال إنرجيز)، حيث وقعت اتفاقيات في أكتوبر 2025 لنقله إلى مصر.
ومع ذلك، يثير المشروع مخاوف إقليمية، خاصة مع اتفاقيات مصرية إسرائيلية متعلقة بحقول مثل "ليفياثان"، لكن التركيز يبقى على الفوائد الاقتصادية المتبادلة.
التحديات والتوقعات المستقبلية
رغم التقدم، يواجه المشروع تحديات فنية مثل تعقيدات استخراج الغاز في أعماق البحر، وتأخيرات محتملة بسبب أولويات شيفرون في مناطق أخرى. كما أن التوترات الجيوسياسية في شرق المتوسط، بما في ذلك النزاعات مع تركيا، قد تؤثر على التنفيذ. ومع ذلك، يتوقع الخبراء أن يساهم الغاز القبرصي في تلبية احتياجات أوروبا من الغاز بحلول 2027، مع إنتاج إضافي في 2026 من حقول أخرى.
ويمثل اتفاق "أفروديت" نموذجاً للتعاون الإقليمي في مجال الطاقة، يعزز أمن الطاقة لمصر وقبرص، ويفتح آفاقاً لتصدير الغاز إلى الأسواق العالمية،و مع استمرار المفاوضات، قد يصبح هذا المشروع ركيزة لاقتصاد شرق المتوسط في العقد القادم.