رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تاريخ لا ينسى.. كيف احتضنت مصر أسرة باتريس لومومبا وخلدت ذكراه

كيف احتضنت مصر أسرة
كيف احتضنت مصر أسرة باتريس لومومبا وخلدت ذكراه

عاد اسم المناضل الأفريقي باتريس لومومبا إلى واجهة الاهتمام مجددًا، بالتزامن مع مشاركة المنتخب الكونغولي في كأس الأمم الإفريقية، بعدما جذبت أنظار الجماهير إحدى اللحظات الرمزية التي قام بها مشجع بتقليد وضعية لومومبا الشهيرة داخل المدرجات، في مشهد تحول بسرعة إلى أيقونة للبطولة ورسالة رمزية عن الحرية ومقاومة الاستعمار.

هذه اللحظة أعادت للأذهان روح القومية الأفريقية والمقاومة البطولية التي جسدها الزعيم الكونغولي في مواجهة الاحتلال البلجيكي، وجعلت ملايين المشاهدين حول العالم يتساءلون عن تاريخ هذا الرجل الذي أصبح رمزًا للصمود والتحرر. وبينما انتقلت قصة لومومبا من أرض الملعب إلى منصات التواصل الاجتماعي، يظل كثير من الناس يجهلون أن نهايات حياته الحاسمة ارتبطت بمصر وبالرئيس الراحل جمال عبد الناصر، في واحدة من أكثر قصص التضامن المصري مع القارة  السمراء.

 <strong>باتريس لومومبا</strong>
 باتريس لومومبا

مقاومة الاستعمار

قاد باتريس لومومبا حركة مقاومة شرسة ضد الاحتلال البلجيكي، وأسس في أكتوبر 1958 الحركة الوطنية الكونغولية، التي أصبحت أول حزب سياسي جامع على مستوى البلاد، وتمثل منصة لتوحيد الصفوف الوطنية والمطالبة بالاستقلال. بالرغم من اعتقاله بتهمة التحريض على الثورة، ثم إطلاق سراحه لاحقًا، استطاع لومومبا أن يقود حزبه لتحقيق نجاحات انتخابية كبيرة، ما جعله أبرز رموز القومية الأفريقية آنذاك وممثلًا حقيقيا لطموحات الحرية والاستقلال في القارة.

لقد شكل لومومبا حالة فريدة من نوعها في تاريخ إفريقيا الحديث، حيث جمع بين القوة السياسية والرؤية الوطنية، واضطر للاحتكاك بالقوى الاستعمارية الكبرى التي لم تكن لتتركه يحقق طموحه بسهولة، مما جعله هدفًا دائمًا للمؤامرات والتآمر السياسي.

 <strong>باتريس لومومبا ومشجع الكونغو والرئيس عبد الناصر</strong>
 باتريس لومومبا ومشجع الكونغو والرئيس عبد الناصر

حكم قصير

في 24 يونيو 1960، أصبح باتريس لومومبا رئيسًا لأول حكومة للكونغو الديمقراطية المستقلة، محققًا حلمًا طال انتظاره في قيادة بلاده بعد عقود من الاحتلال والاستغلال.

إلا أن فترة حكمه لم تدم طويلًا، إذ أُجبر على ترك المنصب وعُزل رسميًا في سبتمبر من نفس العام، وسط صراعات داخلية وضغوط استعمارية مكثفة من القوى الأجنبية التي رفضت رؤية جمهورية الكونغو الحرة تتخذ قراراتها بشكل مستقل.

في هذا السياق، برزت مصر بقيادة جمال عبد الناصر كحليف وداعم أساسي لحركات التحرر الوطني في إفريقيا، حيث تابعت القاهرة بدقة تطورات المشهد السياسي في الكونغو، وقدمت الدعم السياسي والدبلوماسي من خلال بعثتها في الأمم المتحدة.

ومع تصاعد المخاطر التي أحاطت بحياة لومومبا، أصبح التدخل المصري مسألة ملحة لا تقتصر على الجانب الإنساني فحسب، بل شملت أيضًا الاعتبارات السياسية والاستراتيجية في المنطقة.

<strong>أبناء جمال عبدالناصر وأبناء باتريس لومومبا</strong>
أبناء جمال عبدالناصر وأبناء باتريس لومومبا

استغاثة بمصر

حسب ما رواه رولان لومومبا، نجل الزعيم الكونغولي، فقد أدرك والده أن نهايته كانت وشيكة، لكنه رفض مغادرة بلاده قائلًا: «أنا أعرف أنهم سيقتلونني، لكنني لن أهرب»، مؤكدًا أنه لن يتخلى عن أرضه وشعبه.

رغم ذلك، وافق على إخراج أسرته من دائرة الخطر حفاظًا على حياتهم، بعد تعذر انتقال الأسرة إلى غينيا بسبب عدم الاستقرار السياسي هناك، اقترح الرئيس الغيني أحمد سيكوتوري اللجوء إلى مصر، واصفًا عبد الناصر بـ«الصديق صاحب الفكر التحرري والاستقرار السياسي»، موضحًا أن العلاقة القائمة على الاحترام المتبادل والثقة الفكرية كانت كافية لاتخاذ القرار.

وعلى الرغم من عدم لقاء لومومبا وعبد الناصر وجهًا لوجه، إلا أن الثقة الإنسانية والسياسية كانت سببًا كافيًا للبدء في التخطيط لإجلاء الأسرة بأمان، وهو ما يعكس الدور الكبير لمصر في دعم قضايا التحرر في إفريقيا آنذاك.

<strong>أبناء جمال عبدالناصر وأبناء باتريس لومومبا</strong>
أبناء جمال عبدالناصر وأبناء باتريس لومومبا

عملية سرية

في تلك اللحظة الحرجة، كان العقيد سعد الدين الشاذلي يقود كتيبة عربية من قوات مصرية وسورية ضمن بعثة الأمم المتحدة في الكونغو، وكان جاهزًا للتدخل بناءً على أوامر عبد الناصر المباشرة لتأمين وإجلاء أسرة لومومبا فورًا.

نفذ الشاذلي عملية سرية ومعقدة، نقل خلالها أبناء الزعيم الكونغولي داخل أحد المباني التابعة لمصر، قبل تهريبهم عبر المطار والتنقل بينهم عدة دول وصولًا إلى القاهرة بسلام.

وصل ثلاثة من الأبناء أولًا، ثم لحقت بهم والدتهم لاحقًا مع طفلها الرضيع، في عملية نجحت بفضل الدقة والتخطيط المصري، ما يعكس قدرة القاهرة على إدارة الأزمات الإنسانية الكبرى في أصعب الظروف.

<strong>أبناء باتريس لومومبا مع عبدالحليم حافظ</strong>
أبناء باتريس لومومبا مع عبدالحليم حافظ

حياة جديدة

وفرت الدولة المصرية للأسرة مسكنًا في أحد أرقى أحياء القاهرة، وحرص عبد الناصر على دمج أبناء لومومبا في حياته العائلية، حيث كانوا يقضون وقتًا أسبوعيًا مع أبنائه.

كما شجعهم على تعلم اللغة العربية مع الحفاظ على هويتهم الكونغولية، وهو ما ساعدهم على الاندماج في المجتمع المصري مع الاحتفاظ بجذورهم الوطنية.

لاحقًا، سافر بعض الأبناء للدراسة في الخارج، بينما استقر أحدهم في مصر لما يقرب من أربعين عامًا، في شهادة حية على عمق العلاقة التي ربطت مصر بأسرة الزعيم الأفريقي، هذه الفترة تعكس الجانب الإنساني والتضامني لمصر، الذي لم يقتصر على الدعم السياسي فقط، بل شمل أيضًا الحماية والرعاية الأسرية للضحايا السياسيين.

<strong>باتريس لومومبا</strong>
باتريس لومومبا

اغتـ ـيال مأساوي

في 17 يناير 1961، نُقل لومومبا ورفيقاه إلى إقليم كاتانجا، حيث أُعدموا رميًا بالرصاص تحت إشراف بلجيكي، في واحدة من أبشع جرائم الاغتيال السياسي في إفريقيا.

لم تكتفِ السلطات بذلك، بل تم التمثيل بالجثث وإخفاء معالمها، في محاولة لإرهاب كل من يفكر في مقاومة الاستعمار.

وصف محمد حسنين هيكل اغتيال لومومبا بأنه «نكسة للحرية في إفريقيا ورسالة ترهيب لكل من يفكر في التمرد على الاستعمار»، مؤكداً أن مصر كانت على وعي تام بخطورة الحدث وبأبعاده السياسية والرمزية على مستوى القارة.

<strong> شارع باتريس لومومبا</strong>
 شارع باتريس لومومبا

وفاء مصري

لم يتوقف دعم مصر عند هذا الحد، بل امتد بعد استشهاد لومومبا، حين قرر عبد الناصر تغيير اسم شارع «بلجيكا» في الإسكندرية إلى شارع باتريس لومومبا، تكريمًا لمناضل قاوم الاحتلال البلجيكي حتى اللحظة الأخيرة.

وما زال الشارع شاهدًا حيًا على فلسفة عبد الناصر في دعم حركات التحرر، وتجسيدًا لرمز لومومبا الأفريقي الذي لم يمت في الذاكرة، بل عاد ليُلهم الأجيال حتى من مدرجات كرة القدم، حيث أصبحت صورته وحركاته الرمزية جزءًا من التراث الرمزي للمقاومة والتحرر في إفريقيا والعالم العربي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء