رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

على صفحات موقع «إيجبتك» وعلى مدار عشرة مقالات كتبت عن ميدان التحرير لا بوصفه ساحة سياسية بل ككائن حي يتنفس الأصوات ويختزن الذكريات استخلصت تلك المقالات من بحث أكاديمي حمل عنوان «الجدران تتذكر وجوههم.. الذاكرة الصوتية والمقاومة The Walls Remember Their Faces» الوجدانية، والزمن الثوري في ميدان التحرير في تلك المقالات حاولنا أن نفهم كيف تحول الصوت، الهتاف، الأغنية، الإيقاع إلى وعاء للوجدان الجمعي، وكيف صارت الجدران شاهدة لا تنسى، لأنها احتفظت بذبذبات من حلموا وهتفوا وخافوا ثم كسروا الخوف.

لكن هل تكتفي الجدران بالتذكر؟ وهل ينتهي دور الصوت عند لحظة الميلاد؟ هنا، تحديداً، تتقاطع الذاكرة مع المسؤولية.

فإذا كان يناير 2011 قد شهد ميلاد الصوت الحر، فإن السنوات التالية طرحت السؤال الأخطر في تاريخ الثورات ماذا يفعل الشعب حين يهدد صوته بالمصادرة؟ وماذا يحدث حين تستدعى القداسة لإسكات البشر، وحين يعاد تعريف الصمت بوصفه فضيلة، والطاعة بوصفها خلاصاً، والمواطنة بوصفها شبهة؟.. من هذا السؤال تبدأ هذه السلسلة الجديدة، لا لتؤرخ لحدث سياسي استهلك سردًا، بل لتصفي.. نعم، لنصفي بعمق إلى سيمفونية 30 يونيو.

لم يكن الثلاثون من يونيو 2013 مجرد موعد على رزنامة السياسة، بل كان انفجاراً صوتياً ثانياً في ذاكرة الوطن، وكان ميدان التحرير الذي ظن البعض أن صوته قد اسكت أو اختطف باسم الدين، استعاد فجأة حقه في الكلام خرج الصوت هذه المرة مختلفًا أكثر نضجًا، أقل رومانسية، وأكثر وعيًا بالخطر. 

لم يكن صوت حلم ولید، بل صوت تصحيح مسار لم يكن نشيد ميلاد بل نشيد إنقاذ في ذلك اليوم، لم يهتف المصريون فقط بل استعادوا حنجرتهم الوطنية. 

عاد الهتاف ليكون إعلان وجود، وعادت الأغنية لتكون سلاحاً وجدانيًا، لا ضد سلطة سياسية فحسب، بل ضد محاولة مصادرة المعنى نفسه، تحولت الجموع إلى أوركسترا شعبية هائلة، بلا قائد إلا الخوف على الوطن، وبلا نوتة مكتوبة إلا الذاكرة الجمعية التي رفضت أن تمحى.

وكما حدث في يناير، لم تكن الموسيقى والهتافات زينة للمشهد، بل بنيته العميقة، غير أن الفارق الجوهري أن صوت 30 يونيو لم يكن صوت اكتشاف الحرية، بل صوت الدفاع عنها هنا، لم يكن الميدان يحتفل بالحلم بل يحميه من التشويه ملايين الأجساد تحولت إلى جسد واحد، وملايين الحناجر إلى موجة صوتية هادرة تردد بلا تردد لا لاختطاف الدولة، لا لاستخدام المقدس لإسكات البشر لا لتحويل الثورة إلى تفويض أيدي. 

وهنا تتجلى، مرة أخرى فرضية الأرشيف الصوتي التي طرحناها في البحث، فالأغاني لم تكن ترفيهًا، والهتافات لم تكن ضجيجاً، لقد كانتا ذاكرة حية تكتب في اللحظة نفسها، كل إيقاع كان دقة قلب، كل تصفيقة كانت تحديًا للخوف، وكل هتاف كان تأكيداً على أن هذا الشعب، حين يستيقظ وجدانه، لا تهزم فإذا كان يناير 2011 ثورة ميلاد، فإن 30 يونيو 2013 كان ثورة وعي، وإذا كان الصوت في الأولى صرخة حلم، فإنه في الثانية صار درع بقاء.

في هذه السلسلة القادمة، سنعيد قراءة 30 يونيو بآذان موسيقية وبصيرة ثقافية، سنحلل إيقاع الهتافات ونبرة الغضب، واختيار الكلمات، وهدير الجموع الذي شكل حائط صد منيعاً، سنؤكد، كما أكدنا من قبل أن الموسيقى والهتاف ليسا هامشاً في التاريخ، بل متنه العميق، وأن الوجدان الجمعي هو أقوى أدوات التحول الاجتماعي

هذه ليست حكاية سياسة.. بل الفصل الثاني من سيرة الصوت حكاية شعب أدرك بحدسه التاريخي أن الصمت موت، فاختار أن ينقذ دولته بحنجرته قبل أن ينقذها بالفعل، وهنا حين انتفض الصوت من جديد، استعادت مصر روحها.

وهكذا، لا نقف عند 30 يونيو يوصفها ذروة سردية، بل كبداية لمسار جديد في فهم العلاقة بين الصوت والسلطة، بين الوجدان والقرار، وبين الشارع والذاكرة، فما حدث في ذلك اليوم لم ينته بانفضاض الميادين، بل استمر في الفضاء العام في الأغنية التي تغير معناها، وفي الهتاف الذي انتقل من الساحة إلى الوعي، وفي الصمت نفسه حين صار اختيار لا قهراً.

من هنا، لا تغلق صفحة الميدان، بل تطويها برفق ونضعها في الذاكرة.. فالصوت الذي انفجر في لحظة تاريخية لم يكن سوى ذروة مسار أطول، بدأ قبل الهتاف بزمن، وقبل الحشد بخطوات، وقبل الصرخة بقرار داخلي عميق..

في المقالات القادمة ستغادر لحظة الانفجار الصوتي لتتبع ما سبقها وما تلاها كيف تشكل الصوت في الطريق؟، وكيف تفاوض الجسد مع الخوف، ومع المسافة، ومع الآخر؟، وكيف تحول السير إلى فعل خلاص لا يقل قوة عن الهتاف ذاته؟ إننا نغادر الميدان جسدًا، نعم، لكننا نعود إليه ذاكرة ومسارا وتجربة.. فالجدران لا تصمت والميادين لا تنسى.. إنها فقط تنتظر من يصفى إلى الطريق الذي قاد إليها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء