رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت
إيجبتكِ

بمجرد أن تطأ قدماك "مقهى أم كلثوم"  - أياً من المقاهي التي تحمل اسم الست في شارع عرابي بوسط القاهرة أو في شارع الألفي أو في خان الخليلي أو حتى في الإسكندرية أو الأقصر أو حتى في أي بلد عربي -   سوف تكتشف أن هناك طقوساً واحدة ، تكاد تكون مكررة وكأن بين  السميعة اتفاقاً، أو أن دستوراً قد كُتب للاستماع إلى الست في المقاهي، فهذا المكان ليس مجرد مقهى، بل  “محراب” صوتي شيد لتكريم الست والاحتفاظ بتراثها،  تُدار الجلسات كما تُدار الطقوس، يجلس الرواد لا ليشربوا فقط، بل ليصغوا ويشعروا بلحظات الشجن.


في  مقاهي سميعة الست، لا يُنظر إلى الجرسون باعتباره  "مقدّم خدمة"  بل هو "مساعد للسلطنة"  يعرف متى يقترب ومتى يتوارى، ويدرك أن الطلبات ليست مأكولات ومشروبات، بل  "مواعيد مقدسة" يجب أن تتوافق مع مزاج الأغنية وصعودها وهبوطها.


شاي الخمسينة  في توقيت الكوبليه عادة لا يُطلب اعتباطاً،  بعض الزبائن يوصون الجرسون صراحة بعدم الاقتراب من الطاولة أثناء  "المذهب" فبداية الأغنية لحظة تركيز لا تحتمل التشويش.


وحين تبدأ الفواصل الموسيقية بين الكوبليهات، تتحرك الأيدي بإشارات صامتة: هات الشاي الآن  قبل أن تعود أم كلثوم إلى الغناء..  التوقيت هنا أهم من الطعم.


أما تغيير حجر الشيشة فعادة يكون مع القفلة فيطلب بعض رواد المقهى  تغيير حجر المعسل قبل مقطع يتوقعون فيه أن "تتسلطن"  الست وتعيد الجملة مرات عدة  كما في "هل رأى الحب سكارى مثلنا" الهدف هنا أن يكون نفَس الشيشة  في أقصى صفائه، متزامناً مع ذروة الأداء.


وفي أمسيات الوداع والهجر، مع أغنيات مثل  "قصة الأمس"  أو  "حسيبك للزمن"  يطلب بعض المهاويس تخفيف الإضاءة إلى الحد الأدنى، والاكتفاء بضوء خافت، هنا يصبح المقهى عزلة كاملة، ويتحوّل صوت الست إلى عالم مغلق منفصل عن الواقع.


بعض السمّيعة القدامى يربطون بين طعم المشروب ومزاج الأغنية ، فإن كان الغناء عن الهجر والخصام، فالطلب هو فنجان قهوة سادة بلا سكر، ليطابق مرارة الحلق مع مرارة الكلمات.


أحد أكثر الطلبات غرابة- وربما صرامة - هو منع أي صوت معدني مثل صوت الصواني فتسمع الرواد يقولون للجرسون: "نزل الصواني براحة يا ابني… الست بتقول درر"، كذلك توزيع المشروبات يتم بحذر يشبه غرف العمليات، فـ "الآه"  الممدودة لا تحتمل ارتطام ملعقة بزجاج.


في الماضي، كان بعض الرواد يدفعون  "بقشيشاً خاصاً" لإعادة مقطع بعينه عبر تقديم أو تأخير شريط الكاسيت، وكانت هذه الطلبات تتكرر عشرات المرات في الليلة الواحدة، وفق أهواء كبار السمّيعة، الذين يحددون بدقة أين يجب أن تعود أم كلثوم لتغني من جديد.


وعادة يتم تشغيل أغاني الست في توقيتات على حسب نوع الأغنية وكلماتها، ففي الصباح تُبث الأغاني الخفيفة، ومع حلول الليل تبدأ "الملاحم" الطويلة مثل الأطلال وليلة حب وأمل حياتي وأقبل الليل.


هناك زبائن يطلبون "كرسي محدد" لا يجلسون على غيره، ليس لأنه مريح، بل لأن مكانه تحت "سماعة الصوت" مباشرة، حيث يزعمون أنهم في هذا الركن يسمعون "نفَس" أم كلثوم وهي تأخذ شهيقاً قبل الجملة الموسيقية، وهذا قمة الهوس بالنسبة لهم.


أما النقاشات الفنية فتكون في الفواصل بين الأغاني وتدور حول  "قفلة" معينة أو مقارنة بين أداء الست في حفلة في مصر وحفلة أخرى في تونس مثلا أو الكويت.


هذا الهوس الإيجابي لم يأتِ من فراغ ولكنه دليل على قيمة الست ومكانتها في قلوب السمّيعة من كل مكان في الوطن العربي.
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء