رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

شعبان يوسف: يحيى حقي يجسد البساطة العميقة في الأدب المصري|خاص

شعبان يوسف
شعبان يوسف

قال الشاعر شعبان يوسف إن الكاتب يحيى حقي يعد واحدًا من أهم الرواد في تاريخ الرواية العربية والمصرية، مؤكدا أنه منذ صدور رواياته الأولى، وعلى رأسها "قنديل أم هاشم" عام 1944، وضع علامة فارقة في الثقافة السردية، وأرسى أسلوبًا خاصًا به قائمًا على الملاحظة الدقيقة للبيئة الشعبية، والتفاعل العميق مع الحياة اليومية للمصريين، لا سيما في أحياء مثل السيدة زينب ومصر القديمة.

وأكد في تصريحات خاصة لـ«إيجبتك» أن يحيى حقي لم يكن كاتبًا منعزلًا في مكتبه، بل كان مرتبطًا بالواقع، ومهتمًا بمتابعة الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية في مصر، مما جعله قادرًا على تصوير الشخصيات والأماكن بطريقة حية، تعكس الروح المصرية الأصيلة، من دون تكلف أو ازدواجية في التعبير.

جمع بين الأدب والدبلوماسية

وأشار إلى أن يحيى حقي لم يقتصر على العمل الأدبي فحسب، بل جمع بين الأدب والعمل الدبلوماسي، حيث عمل في السلك الدبلوماسي المصري وزار دولًا عدة، بينها ليبيا وتركيا والسعودية، ومع حلول خمسينيات القرن الماضي اعتزل العمل السياسي ليتفرغ للثقافة، سواء بالكتابة أو بالإدارة الثقافية، مؤكدًا أن هذه المرحلة كانت حاسمة في تطور مشروعه الأدبي والمؤسسي على حد سواء.

وقال يوسف إن صدور مجموعة دماء وطين عام 1955 كان علامة بارزة في مسيرة يحيى حقي، تلتها أعمال مهمة كثيرة ساهمت في إثراء الثقافة المصرية، إلا أنه أشار إلى أن صعود القصة القصيرة مع يوسف إدريس ربما قلل من حظوظ حقي في الحصول على الضوء الأدبي في تلك المرحلة، لافتًا إلى أن لو لم يظهر كتاب الشباب في ذلك الوقت، لكان تأثير حقي الأدبي أكثر وضوحًا وانتشارًا.

وأكد أن يحيى حقي كان شخصية مؤسسية بامتياز، فقد تولى رئاسة مصلحة الفنون، واستطاع أن يضخ دماء جديدة في الثقافة الشعبية، مستثمرًا عددًا من الأسماء البارزة مثل نجيب محفوظ، وزكريا الحجاوي، وزكي طليمات، وحسين فوزي، في تطوير العمل المؤسسي الثقافي، مؤكدًا أن هذه التجربة كانت غير مسبوقة في مصر، وأحدثت نقلة نوعية في إدارة الثقافة والفنون الشعبية.

وأوضح أن من أبرز إنجازاته كان صعود الفرق الشعبية إلى مسرح الأوبرا الملكية لأول مرة من خلال أوبريت يا ليل يا عين، الذي ضم عددًا كبيرًا من المغنين والعازفين على الربابة والسمسمية، وشارك فيه نخبة من الكتاب والفنانين، وكان زكي طليمات المخرج، فيما لعب زكريا الحجاوي دورًا أساسيًا في إنجاح الحفل، مضيفًا أن هذا العمل عكس قدرة حقي على اكتشاف الطاقات الشعبية وتنميتها بطريقة منهجية ومبدعة.

وأشار يوسف إلى أن عظمة يحيى حقي الأدبية لم تمر دون تقدير من كبار الأدباء، حيث قال نجيب محفوظ إنه لو لم يحصل على الجائزة، لكان يتمنى أن يمنح يحيى حقي جائزة نوبل، وهو اعتراف استثنائي بمكانته، حسب وصفه، مؤكدًا أن هذه الشهادة تعكس تقدير الأدب العربي لموهبة حقي الفريدة.

الاهتمام بأدب الشباب

وأكد أن حقي كان من أوائل من اهتموا بأدب الشباب، حيث قدم نوال السعداوي وكتب مقدمة لمجموعتها القصصية وتعلمت الحب الصادرة عام 1961، كما أشرف على سلسلة عيش وملح، التي قدم فيها عددًا كبيرًا من كتاب الشباب، مثل محمد حافظ رجب، وإسماعيل ولي الدين، وغيرهم، مؤكدًا أنه كان يعمل معهم بروح الأب، يوجّههم ويدافع عنهم ويربيهم، بما يجعلهم يشعرون بأنهم تحت إشراف مباشر، وليس مجرد قراءة نقدية جافة.

السهل الممتنع

وقال يوسف إن أسلوب يحيى حقي يعتبر نموذجًا واضحًا لـ«السهل الممتنع»، فهو بسيط في الشكل، لكنه عميق في المحتوى، قادر على نقل الصورة بدقة، والوصول إلى جوهر الشخصية المصرية، مؤكّدًا أن العناوين التي اختارها لكتبه، مثل إزازة ريحة، وخليها على الله، وصح النوم، ويا ليل يا عين، تعكس وعيًا لغويًا وفنيًا فريدًا، يصل مباشرة إلى القارئ من دون أن يختزل المعنى أو يفقد البساطة الطبيعية.

وأضاف أن يحيى حقي كان يقدّم ورشًا للكتاب الشباب، حيث يجلس معهم ويستمع إلى قصصهم بصوت عالٍ، ليضمن صدق التعبير وخلوّ النص من أي افتعال، مسترجعًا موقفًا مع الكاتب الراحل سليمان فياض، الذي واجه تصحيحًا دقيقًا من حقي حول استخدام كلمة «حقل» بدل «غيط»، مؤكدًا أن هذه الدقة اللغوية كانت جزءًا من حرصه على نقل روح البيئة المصرية بطريقة صادقة ومقنعة للقارئ.

واختتم بالتأكيد على أن يحيى حقي لم يكن مجرد كاتب كبير، بل كان صانع أجيال ومثقفًا موسوعيًا، استطاع من خلال كتاباته، ومقالاته في صحيفتي المساء والتعاون، رسم بانوراما واسعة وشاملة للثقافة المصرية في شتى المجالات، من الأدب إلى الفنون الشعبية، مؤكدًا أن إرثه الأدبي ما زال حاضرًا وفاعلًا، وأن تأثيره يمتد على أجيال متعددة من الكتاب والقُرّاء على حد سواء.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء