رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ترامب فوق القانون.. جرينلاند بين السيادة والابتزاز الأمريكي|تقرير

الرئيس الأمريكي دونالد
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

لم تعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن جرينلاند، مادة للسخرية أو الاستهزاء السياسي، فبعد سنوات من التعامل مع طموحاته الإقليمية بوصفها استفزازًا إعلاميًا، بات القادة الأوروبيون اليوم ينظرون بجدية متزايدة إلى ما يرونه تهديدًا مباشرًا لسيادة الجزيرة ولنظام الأمن الغربي بأكمله، ومع تصاعد نبرة البيت الأبيض بعد تدخل واشنطن في فنزويلا، تدخل الأزمة مرحلة غير مسبوقة من التوتر، خاصة بعد تجرؤ الولايات المتحدة التعدي على سيادة فنزويلا.

جرينلاند بين السيادة والابتزاز الأمريكي
جرينلاند بين السيادة والابتزاز الأمريكي

من نكتة سياسية إلى أزمة دبلوماسية

ووفقًا لصيحة ديلي ميل البريطانية، خلال ولاية ترامب الأولى، قوبلت تصريحاته عن شراء جرينلاند بالاستخفاف، واعتبرت مجرد تعبير عن أسلوبه الاستفزازي المعتاد، وحتى الزيارات الرمزية التي قام بها مقربون منه إلى الجزيرة في السنوات الأخيرة لم تفسر إلا كاستعراض سياسي.

لكن هذا التصور تغير جذريًا، فقد أكد قادة أوروبيون، أمس الثلاثاء، دعمهم الصريح لسيادة جرينلاند وحقوق الدنمارك، في رسالة واضحة بأن تهديدات ترامب لم تعد تؤخذ بخفة.

الولايات المتحدة غير مقيدة بقوانين عالم تحكمه القوة

بعد نجاح واشنطن في اختطاف رئيس دولة ذات سيادة “فنزويلا”، تتحدث الإدارة الأمريكية بلغة أكثر صراحة عن نفوذها في نصف الكرة الغربي، وهو ما عززه تصريحات كبير مستشاري ترامب، ستيفن ميلر، بعد قوله أن الولايات المتحدة غير مقيدة بـ“قوانين عالم تحكمه القوة”، زادت من قلق الحلفاء.

جرينلاند بين السيادة والابتزاز الأمريكي
جرينلاند بين السيادة والابتزاز الأمريكي

ولم ينجح التبرير الرسمي، بأن السيطرة على جرينلاند ضرورة للأمن القومي الأمريكي في تهدئة المخاوف، خصوصًا بعد رفض البيت الأبيض استبعاد استخدام القوة العسكرية.

جرينلاند.. جوهرة استراتيجية في قلب الصراع

تتمتع جرينلاند بموقع بالغ الأهمية في شمال الأطلسي، إذ لعبت تاريخيًا دورًا محوريًا خلال الحرب العالمية الثانية، واليوم تزداد أهميتها مع ذوبان الجليد وفتح طرق ملاحية جديدة.

تضم الجزيرة قاعدة أمريكية أساسية ضمن منظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ، كما أنها غنية باحتياطات محتملة من النفط والغاز والمعادن الأرضية النادرة، التي تشكل عصب التكنولوجيا العسكرية الحديثة، ما يجعلها موضع اهتمام ليس فقط من واشنطن، بل أيضًا من موسكو وبكين.

ثغرات في حجة ترامب

يرى مراقبون، أن ترامب يتجاهل حقيقة أساسية وهي أنه لا شيء يمنع الولايات المتحدة من تعزيز وجودها العسكري في جرينلاند ضمن الأطر القانونية الحالية، فالجزيرة إقليم يتمتع بالحكم الذاتي، ويتبع دولة عضو في حلف الناتو، والاتفاقيات الموقعة مع الدنمارك تمنح واشنطن حرية واسعة في استخدام القواعد والموانئ.

كما أن السلطات الدنماركية والجرينلاندية، أبدت استعدادها لعقد شراكات اقتصادية، خاصة في مجال المعادن النادرة، دون الحاجة إلى أي مساس بالسيادة.

إمبريالية جديدة أم بحث عن الإرث

يعكس سلوك الرئيس الأمريكي، وفقًا محللين، نزعة توسعية تعيد إلى الأذهان رؤساء أمريكيين في القرن التاسع عشر، فالرئيس لا يخفي هوسه بترك إرث مادي وتاريخي، بدءً من مشروعات داخل البيت الأبيض وصولًا إلى رغبته في تخليد اسمه إلى جانب صفقات توسعية كبرى، مثل شراء لويزيانا أو ضم هاواي.

جرينلاند بين السيادة والابتزاز الأمريكي
جرينلاند بين السيادة والابتزاز الأمريكي

ويخشى منتقدوه أن تكون جرينلاند جزءً من هذا الطموح الرمزي أكثر من كونها ضرورة أمنية.

أوروبا تشعر بالخطر

من جهتم، أعلن قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا والمملكة المتحدة، دعمهم الكامل لشعب جرينلاند، كما أعلنت كندا إرسال وفد رفيع المستوى إلى الجزيرة، في ظل قلق متزايد من تداعيات أي تحرك أمريكي أحادي.

وحذرت رئيسة الوزراء الدنماركية، من أن أي محاولة للاستيلاء على جرينلاند بالقوة ستعني فعليًا نهاية حلف الناتو، ونسف مبدأ الدفاع المشترك الذي شكل أساس الأمن الغربي لعقود.

اختلال موازين القوة

تعتمد أوروبا بشكل كبير على الولايات المتحدة في الدفاع، ما يمنح ترامب نفوذًا واسعًا، ويقر مسؤولون أمريكيون بأن أي مواجهة عسكرية حتى لو كانت نظرية، ستكون كارثية على التحالف الغربي.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

وقال الأدميرال المتقاعد جيمس ستافريديس، إن مواجهة أمريكية دنماركية ستعني نهاية الناتو، داعيًا إلى ضبط النفس وتغليب الدبلوماسية.

هل شراء جرينلاند ممكن؟

حتى لو أراد ترامب المضي قدمًا، فإن شراء جرينلاند، يواجه عقبات قانونية وسياسية هائلة، من موافقة الكونجرس الأمريكي، إلى تعقيدات الاتحاد الأوروبي، فضلًا عن التكلفة التي قد تصل إلى مئات المليارات من الدولارات.

ويبقى السؤال هنا، هل سيقبل دافعو الضرائب الأمريكيون تمويل صفقة كهذه في ظل أزمات داخلية متفاقمة؟

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء