رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في ضوء اعتقال الولايات المتحدة رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، يبرز المشهد السياسي في أمريكا اللاتينية أمام لحظة مفصلية تعيد إلى الأذهان تاريخًا طويلًا من التوتر بين السيادة الوطنية ونفوذ واشنطن. هذا الحدث، سواء ثبتت كل تفاصيله أم ظل في إطار الروايات المتداولة، يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة ودول القارة، خصوصًا في ظل الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا بوصفها صاحبة أكبر احتياطي نفطي في العالم وثروات ومعادن نادرة.

من زاوية أمريكية، يمكن قراءة ما جرى في إطار عودة واضحة إلى منطق “مبدأ مونرو” بصيغته الحديثة، أي اعتبار أمريكا اللاتينية مجال نفوذ تقليدي لا ينبغي أن تتغلغل فيه قوى منافسة. فواشنطن تنظر بقلق متزايد إلى تمدد الصين وروسيا في القارة، سواء عبر الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية والطاقة أو عبر الشراكات العسكرية والمالية.

 

 ومن ثم، فإن إعادة تشكيل السلطة في فنزويلا قد تُفهم كرسالة مزدوجة: تأمين موارد استراتيجية تحتاجها الولايات المتحدة لدعم اقتصادها وتنميتها الصناعية، وفي الوقت نفسه قطع الطريق أمام منافسين دوليين يسعون لترسيخ موطئ قدم دائم في “الحديقة الخلفية” لواشنطن.

 

أما على مستوى دول أمريكا اللاتينية، فمن الواضح أن رد الفعل غير موحد، فالقارة تعاني تاريخيًا من انقسام بين تيارات ترى في الولايات المتحدة شريكًا اقتصاديًا لا غنى عنه، وأخرى تعتبرها مصدرًا دائمًا للتدخل والهيمنة.

 

 دول ذات حكومات يمينية أو براغماتية قد تميل إلى التعامل مع إدارة ترامب أو أي إدارة أمريكية تتبنى نهجًا مشابهًا، انطلاقًا من حسابات المصلحة الاقتصادية والحاجة إلى الاستثمارات، خاصة في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والتجارة، بالنسبة لهذه الدول، فتح الباب أمام الشركات الأمريكية قد يُنظر إليه كفرصة للنمو وتخفيف الأزمات المالية.

 

في المقابل، يُتوقع أن تبدي دول ذات توجهات يسارية أو قومية مقاومة أشد، انطلاقًا من الذاكرة التاريخية لتجارب الانقلابات والتدخلات الأمريكية في القرن العشرين. 

 

هذه الدول قد ترى فيما حدث في فنزويلا سابقة خطيرة تهدد مبدأ السيادة، وتدفعها إلى تعزيز خطاب الاستقلال الوطني والتقارب أكثر مع الصين وروسيا كوسيلة لموازنة النفوذ الأمريكي. ويحذر المفكرون السياسيون في هذا التيار من أن السماح غير المشروط بالاستثمار الأمريكي في الثروات الطبيعية قد يعيد إنتاج أنماط “التبعية الاقتصادية” ويقوض فرص التنمية المستقلة.

إلى جانب مواقف الحكومات، يلعب الرأي العام دورًا لا يقل أهمية. فحتى في الدول التي قد تميل نخبها الحاكمة إلى التعاون مع واشنطن، تبقى الشعوب حساسة تجاه أي مظهر من مظاهر التدخل الخارجي، خصوصًا عندما يرتبط بالسيطرة على الموارد الطبيعية. الاحتجاجات والضغوط الشعبية قد تفرض على بعض الحكومات تبني مواقف أكثر توازنًا، تجمع بين الاستفادة من الاستثمارات الأجنبية والحفاظ على قدر من الخطاب السيادي لاحتواء الغضب الداخلي.

 

في المحصلة، يبدو أن سلوك دول أمريكا اللاتينية بعد هذا الحدث سيتأرجح بين التعاون الحذر والمقاومة السياسية، وفقًا لتركيبة كل دولة ومصالحها وتحالفاتها. لا الولايات المتحدة قادرة على فرض هيمنتها القديمة بلا تكلفة، ولا دول القارة تملك ترف القطيعة الكاملة مع القوة الاقتصادية والسياسية الأكبر في نصف الكرة الغربي. وبين هذين الحدّين، ستتشكل مرحلة جديدة من الصراع والتفاوض، حيث تختبر أمريكا اللاتينية مجددًا قدرتها على تحويل ثرواتها إلى تنمية حقيقية، لا مجرد ورقة في صراع القوى الكبرى.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء