رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

على غرار مصطلح "دهاء التاريخ" الذي جعله الدكتور فؤاد زكريا عنوانًا لأحد مقالاته والتي جاء في ذكرى مرور مئتي عام على الحملة الفرنسية على مصر وتحديدًا في 1998، وفي هذا المقال استعرض طبيعة التاريخ وأحداثه وتكرارها ودوافع الأحداث وكيفية كتابتها من عدة مناظير، والحقيقة أن المتخصص وغير المتخصص في التاريخ كلما تعمق وقرأ ودرس وبدأ في إعمال العقل ومهارات المنطقة والمقارنة والتحليل والتحقيق وجد الكثير من المفارقات، ربما تمر مرور الكرام على الشخص العادي فيؤمن بما قرأه وقد يصل إلى مرحلة من القناعة والعناد والرفض لأي رأي مخالف حتى وإن كان أقرب إلى الصحة وإلى ما حدث بالفعل.

والآن وبعد مرور أكثر من عقدين من الزمان على انتشار شبكات التواصل الاجتماعي جاءنا الذكاء الاصطناعي ليضيف عبئًا على أعباء الأكاذيب المنتشرة على تلك الشبكات من خلال الأخبار والمعلومات الخاطئة تمامًا أو المغلوطة جزئيًا أو الشائعات، وذلك باستحداث تقنيات التزييف العميق Deepfake التي أصبحت قادرة على تزييف الماضي والحاضر ورؤى المستقبل بطريقة تصعب على الغالبية اكتشافها، والإشكالية الأكبر هي معدل بث تلك الأكاذيب وتلك المواد المزيفة، فهي تحاصر المستخدمين وتأتيهم من كل حدب وصوب فتشكل لديهم قناعات مستقرة غير قابلة للاهتزاز أو التغيير بالرغم مما يعتريها من أخطاء فادحة وكذب بيّن.

الإشكالية الأخرى أن انتشار هذه الأكاذيب دفع البعض إلى الميل إلى الجانب المعاكس تمامًا، فلا تصديق لأي شيء حتى وإن كان حقيقيًا، وفي النهاية نجد أن البشر قد أُصيبوا بالاضطراب والتخبط، وللأسف هذا لا يحدث في الأمور البسيطة غير الهامة فقط بل قد تسلل إلى الثوابت وإلى الأمور الهامة التي لا يستطيع الإنسان أن يحيا ولا أن يخطط للمستقبل في ظل عدم اليقين المنتشر.

القضية قد تبدو بسيطة أو قابلة للعلاج بصورة فردية وأن القليل من الوعي يكفي للمعالجة، ولكن للأسف نجد أن عدم اليقين أصبح منتشرًا ونسمعه كثيرًا في التقارير الاقتصادية والسياسية وفي مستقبل البشرية وصراعات أفرادها معًا.

وللأسف وحتى الآن ما يزال الجميع يحاول أن يتلمس طريق النجاة حتى إن البعض دعا إلى فصل شبكة الإنترنت زمنيًا إلى ما قبل 30 نوفمبر 2022 وما بعد هذا التاريخ، وهو تاريخ بداية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي على نطاق واسع، ناظرين إلى مستقبل ممدود فيه خط الزيف على استقامته، وناظرين إلى معدل توليد تلك الأكاذيب والتي إن استمرت بنفس المعدل فلن نجد غيرها وستذوب قطرات الحقيقة في بحور الأكاذيب المتنامية النشطة.

الأمر يحتاج إلى وقفة حقيقية، فالأجيال الجديدة والقادمة ستكون في مأزق أخطر ما فيه أنهم لن يشعروا به إلا بعد فوات الأوان، فهل تنتبه؟

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء