في عيد الميلاد.. كيف كانت حياة الرسول مع مارية القبطية؟
في عيد الميلاد المجيد الذي يوافق اليوم الأربعاء 7 يناير 2026، ويحتفل به المسيحيون في مصر والعالم، يتبادر إلى ذهن الكثيرين قصة السيدة مارية القبطية، المرأة المصرية التي كانت واحدة من أقرب نقاط الاتصال بين النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وأتباع الديانة المسيحية، وذلك قبل أن تعتنق الإسلام، وتصبح جزءًا من بيت النبوة.
كيف التقى الرسول مع السيدة مارية القبطية؟
أفصحت كتب السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم، بدأ مرحلة جديدة من الدعوة إلى الإسلام خارج الجزيرة العربية، وذلك بعد صلح الحديبية وتحديدًا في العام السابع للهجرة، فبعث برسائل إلى ملوك وأمراء العالم يدعوهم فيها إلى الإسلام، واختار لهذه المهمة رجالًا عرفوا بالحكمة والفصاحة وحسن التقدير، فتوجهوا إلى هرقل ملك الروم، وكسرى ملك فارس، والنجاشي ملك الحبشة، والمقوقس حاكم مصر التابع للدولة البيزنطية.

وبحسب ما جاء في الروايات التاريخية، فقد أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- الصحابي حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، إلى المقوقس حاكم الإسكندرية آنذاك، لما عرف عنه من بلاغة وحسن خطاب، واستقبله الأخير استقبالًا كريمًا، وأخذ يستمع إلى كلماته، وقال له: "يا هذا، إن لنا دينًا لن ندعه إلا لما هو خير منه".
وقد أبدى المقوقس إعجابه بمضمون الدعوة، وذلك بعد أن نظر في أمر النبي فوجده لا يأمر بمنكر ولا ينهى عن معروف، ولا يشبه السحرة أو الكهنة، حيث قال: "إني قد نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بزهودٍ فيه، ولا ينهي عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آية النبوة بإخراج الخبء والأخبار بالنجوى وسأنظر".
ثم أخذ كتاب النبي وختم عليه، وكتب إليه ردًا يعبر فيه عن تقديره واحترامه، معلنًا أنه كان يعلم بخروج نبي، وإن كان يظن ظهوره بالشام، حيث قال: "بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد بن عبد الله، من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيًا بقي، وكنت أظن أنه سيخرج بالشام".
لقاء النبي ومارية القبطية
وقد أرسل حاكم مصر ضمن رده، هدية إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ضمت جاريتين من أصل كريم هما مارية وأختها سيرين بنتا شمعون، إلى جانب كسوة وبغلة ليركبها، حيث جاء في رسالته: "وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديتُ إليك بغلة لتركبها والسلام عليك".
وجاء في وصف السيدة مارية القبطية، أنها كانت بيضاء الوجه، جميلة الطلعة، لدرجة أن السيدة عائشة رضى الله عنها قالت: "ما غرت على امرأة إلا دون ما غرت على مارية، وذلك أنها كانت جميلة جعدة -أو دعجة- فأعجب بها رسول الله وكان أنزلها أول ما قدم بها في بيتٍ لحارثة بن النعمان، فكانت جارتنا، فكان عامة الليل والنهار عندها، حتى فرغنا لها، فجزعت فحولها إلى العالية، وكان يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشد علينا".
علاقة الرسول بمارية
وفقًا للروايات الواردة، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- عرض الإسلام على كل من مارية وأختها سيرين قبل دخولهما المدينة المنورة، فأسلمتا عن اقتناع وطواعية، وحسن إسلامهما، لتبدأ صفحة جديدة في حياة مارية داخل المجتمع الإسلامي.
مكانة مارية في بيت النبي
اختلفت الروايات حول كون السيدة مارية من زوجات الرسول أم ملك يمين له، ولكن هناك أحداث تشير إلى أنها كانت من زوجات الرسول، منها أنها تعرضت لحادث إفك مشابه لما تعرضت له السيدة عائشة وقد برأها الله تعالى منها أيضًا، حيث اتهمت بالزنا في حياة الرسول مع خادمها المصري "مأبور"، إلا أن الله تعالى برأها منها، حين اكتشف أن الخادم "مجبوب".
وجاء في صحيح مسلم، عن أنَسٍ: "أنَّ رجُلًا اتُّهِمَ بأُمِّ ولدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأمَر النَّبيُّ عليه السَّلامُ علِيَّ بنَ أبي طالبٍ أن يقتُلَه، فأتاه فوجَده في رَكِيٍّ يتبرَّدُ، فأمَره بالخروجِ، فلمَّا خرَج فإذا هو مَجْبوبٌ لا ذَكَرَ له، فترَكه وعاد إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأخبَرَه".
عرفت السيدة مارية كما جاء في كتب السيرة، بحسن الدين والعفة والحياء، وقد كرمها الله تعالى بأن جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ينجب منها ولده إبراهيم عليه السلام، الذي أحبه حبًا شديدًا، لكنه توفي صغيرًا، فحزن عليه النبي حزنًا بالغًا، وقال كلمته الشهيرة: "إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا".
وأكدت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أكرمها وأحسن معاملتها، وأسكنها في بيت مستقل بمنطقة العالية قرب المدينة المنورة، وحرص على صون كرامتها ومكانتها، كما أنه لما يجبرها على اعتناق الدين الإسلامي، وإنما عرضه عليها بجانب أختها سيرين، وترك لهما حرية الاختيار.

هل أحب النبي مارية؟
قالت الدكتورة فتحية الحنفي، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر الشريف، إن السيدة مارية القبطية، واسمها مارية بنت شمعون، كانت من قرية حفن بمحافظة المنيا، ولم تكن أسيرة حرب، بل جاءت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- كهدية دبلوماسية من المقوقس حاكم مصر ردًا على رسالته التي دعاه فيها إلى الإسلام في السنة السابعة للهجرة.
وأكدت لموقع "إيجبتك"، أن مارية وأختها سيرين أسلمتا قبل وصولهما إلى المدينة المنورة عن طواعية كاملة، ولم تجبر أي منهما على الإسلام، مشيرة إلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يتزوج مارية، لكنها كانت ملك يمين، وأنجبت له ولده إبراهيم، وهو ما جعلها "أم ولد"، وهو وضع شرعي معروف في ذلك العصر.
وشددت على أن النبي أكرم مارية، وأحسن معاملتها، وخصها بمكانة مميزة، كما أوصى بأهل مصر خيرًا، وكان يصرف لها عطاء من بيت المال، مؤكدة أنها عرفت بالعفة والحياء وحسن الدين، ولم تُهن أو تُظلم.
وأضافت أنها توفيت في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام 16 للهجرة، وصلى عليها بنفسه، ودُفنت في البقيع.