رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بعد 10 سنوات من «التقشف» .. لماذا تمردت مصر على صندوق النقد ؟

مدبولي ورئيسة صندوق
مدبولي ورئيسة صندوق النقد

عقب تصريح رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، بعدم اللجوء إلى برنامج تمويل جديد من صندوق النقد الدولي، شهدت الأوساط الاقتصادية حالة من الجدل بعد انتهاء البرنامج الحالي في نوفمبر 2026، وبالتزامن مع اقتراب المراجعات الخامسة والسادسة للاتفاق مع الصندوق، إذ أكد عدد من الخبراء تضامنهم مع  توجه الدولة المصرية بعدما امتدت العلاقة إلى أكثر من 10 سنوات بدأت منذ عام 2016 .

 

 الدكتور محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل أجندة 2030 للتنمية المستدامة، كان فى مقدمة الأصوات التى دعت إلى "التمرد" على نمط البرامج التقشفية للصندوق، مشدداً على ضرورة تبني مسار اقتصادي وطني يركز على التنمية والتنافسية، الأمر لم يتوقف عند "محيى الدين"، وأنما كان هناك أصوات أخرى طرحت وجهات نظر آراء المؤسسات الدولية في هذا الصدد، بالإضافة إلى تأثيره المحتمل على التصنيف الائتماني للبلاد، فقد ركزت تعليقات المؤسسات على تقييم التقدم في الإصلاحات الاقتصادية، مع بعض التحذيرات من بطء التنفيذ، دون تصريحات مباشرة حول رفض برنامج جديد،  في الوقت نفسه، شهد التصنيف الائتماني تحديثات حديثة تعكس تحسناً طفيفاً في التوقعات، مدعوماً بزيادة الإيرادات السياحية والاستثمارات الإقليمية.

الاقتصاد المصري يحتاج إلى التمرد

وفقاً لتصريحات محيي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل التنمية المستدامة ووزير الاستثمار المصري الأسبق، فإن الاقتصاد المصري لم يشهد تحركاً حقيقياً في الناتج المحلي الثابت منذ 2015-2016، إذ يبلغ الناتج حوالي 350 مليار دولار فقط، رغم أن مصر تمثل أكثر من 1.3% من سكان العالم. 

وأكد في محيى الدين، فى مقابلة مع "العربية بيزنس" أن برامج الصندوق تركز على الضبط المالي والنقدي دون معالجة أولويات الاستثمار، الادخار، أو التصدير، مما يقيد النمو ويفاقم الفقر المدقع، وهو ما سبق أن أشار إليه  في صالون ماسبيرو الثقافي الذى عقد مؤخرا، إذ أكد أن مصر بحاجة إلى برنامج جديد للنمو المستدام يعالج أزمات الديون والإيرادات العامة، مشيراً إلى أن الاعتماد على القروض السخية لم يعد متاحاً في ظل التراجع العالمي في التدفقات المالية إلى الدول النامية.

أسباب رفض لجوء مصر لصندوق النقد

يجمع الخبراء الذين أعلنوا رفضهم، مثل محيي الدين على عدة أسباب رئيسية تجعل اللجوء إلى الصندوق خطيراً على الاقتصاد المصري، مع التركيز على تجارب العقد الماضي التي أدت إلى زيادة الديون دون نمو حقيقي، ونستعرض لكم عبر «إيجيبتكِ» أبرز هذه الأسباب:

 

يرى محيي الدين، أن برامج الصندوق تحول الاقتصاد إلى "إدارة أزمات" مستمرة، حيث تركز على تحقيق فائض أولي وخفض الإنفاق الحكومي، مما يقيد الاستثمار في القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والتصدير، مؤكدًا أن هذه البرامج "لا تعالج قضايا التنمية والفقر المدقع"، وأن مصر تحتاج إلى مسار يعزز التنافسية ويتمكين الطبقة الوسطى، أما الدكتور عمار علي حسن، حذر بالقول أن وصفات الصندوق تؤدي إلى "خراب اقتصادي واجتماعي"، مستنداً إلى تجارب دول أخرى مثل شيلي ودول أمريكا اللاتينية، حيث أدت الإجراءات التقشفية إلى بطالة مفرطة واتساع الفجوة بين الطبقات.

  • عدم الاستدامة والاعتماد على الديون

بعد 10 سنوات من البرنامج، بلغت الديون الخارجية أكثر من 155.1  مليار دولار بنهاية ديسمبر 2024، بزيادة قدرها 2.2 مليار دولار مقارنةً بنهاية يونيو من العام نفسه، مع تراجع في الاستثمارات الأجنبية الحقيقية. ويؤكد محيي الدين أن الوقت حان لـ"التحول من ضبط الاختلالات إلى برنامج للنمو"، مشدداً على ضرورة الاستثمار الخاص كبديل للاقتراض، واستلهام تجارب ناجحة مثل الصين والهند في القضاء على الفقر. ويضيف الدكتور محمود وهبه، الأكاديمي والرجل أعمال، أن الصندوق يساعد في "لعب الوقت الضائع" للحكومات غير الفعالة، محولاً الاقتصاد من إنتاجي إلى ريعي، ويطالب بتغيير جذري للنظام الاقتصادي بدلاً من الاعتماد على قروض تكرر الأزمات.

  • التأثير السلبي على الطبقة الوسطى والتنمية البشرية

يحذر الخبراء من أن شروط الصندوق، مثل تحرير سعر الصرف ورفع الدعم، أدت إلى تضخم يتجاوز 15% وفقدان الطبقة الوسطى، دون تعزيز التنمية، إذ  طالب محيي الدين ، بتنبى  برنامج يعالج توزيع الدخل والفقر، مع التركيز على التكنولوجيا والتعليم، مستشهداً بأن الناتج المحلي لا يغطي احتياجات السكان الـ1.3% من العالم. كما يتفق الباحث عمرو عادلي، الذي يرى في "السردية الوطنية" الجديدة فرصة للانتقال إلى نموذج يعتمد على الإيرادات المحلية مثل السياحة والتصدير، بدلاً من صفقات مليارية غير مستدامة.

آراء المؤسسات الدولية

 أعربت المؤسسات الدولية، خاصة صندوق النقد الدولي، عن تقييمات مختلطة للوضع الاقتصادي المصري، مع التركيز على البرنامج الحالي الذي ينتهي قريباً، وفقاً لتقارير الصندوق، أجرى فريق صندوق النقد الدولي زيارة إلى القاهرة في مايو 2025، حيث لاحظ تقدماً مستمراً في الإصلاحات الاقتصادية الكلية، بما في ذلك الضبط المالي والنقدي.

 ومع ذلك، أشارت مصادر، إلى إمكانية دمج المراجعتين الخامسة والسادسة بسبب بطء التقدم في الإصلاحات الهيكلية، مما قد يؤخر الدفعات الجديدة، كما أكد تقرير الصندوق في يوليو 2025 أن السلطات المصرية حققت تقدماً في بعض الجوانب، لكنها فشلت في تحقيق بعض الأهداف مثل الفائض الأولي لشهر ديسمبر 2024.

 منظمة كارنيجي، أشارت إلى أن صندوق النقد، يبدو مستعداً للتعاون رغم فشل الحكومة المصرية في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية بشكل كامل، معتبرة ذلك "مساعدة وتشجيعاً" لسلوكيات غير مستدامة، أما مشروع بريتون وودز، فقد حذر في تقرير سابق من أن البرنامج الجديد غير قادر على إنقاذ مصر دون معالجة الجوانب السياسية للمشكلات الاقتصادية. وفي سياق أوسع، أكدت تقارير أخرى أن مصر تخطط للانتقال نحو الاستقلال الاقتصادي مع نهاية البرنامج الحالي في أواخر 2025، مدعوماً بمشاريع قومية وشراكات إقليمية. ولم تصدر تصريحات رسمية مباشرة من IMF حول رفض مصر لطلب برنامج جديد، لكن التركيز يبقى على استكمال المراجعات المتبقية دون إشارة إلى تمديد أو اتفاق جديد

آخر تحديثات التصنيف الائتماني

 شهد التصنيف الائتماني لمصر تحديثات حديثة من الوكالات الرئيسية، تعكس استقراراً نسبياً مع تحسن في التوقعات. وفقاً لأحدث البيانات:

موديز (Moody's): 

التصنيف الحالي Caa1 مع توقعات إيجابية (positive outlook)، آخر تحديث في يوليو 2025، حيث أجرت مراجعة دورية منتظمة للحكومة المصرية، مع التركيز على التحديات الاقتصادية مثل الديون والتضخم. وفي مارس 2024، كان التصنيف نفسه لكن مع تحديث للتوقعات، وفي أغسطس 2025، عززت موديز موقعها في وكالة التصنيف المحلية MERIS لتعزيز التقييمات المحلية.

ستاندرد آند بورز (S&P):

 التصنيف B- مع توقعات مستقرة (stable outlook)، آخر تحديث في أبريل 2025، حيث خفضت الوكالة التوقعات قليلاً بسبب الضغوط الخارجية، لكنها أكدت الاستقرار العام مدعوماً بنمو الاقتصاد بنسبة 4.2% في النصف الأول من 2025.

فيتش (Fitch):

 التصنيف B مع توقعات مستقرة (stable outlook)، آخر تحديث في فبراير 2025، حيث أكدت الوكالة التصنيف وأسندت تصنيفاً مشابهاً لبرنامج السندات الإسلامية (Sukuk). وفي تقارير أخرى، حافظت على B- مع توقعات إيجابية سابقة، لكن الاستقرار يعكس تحسناً في الميزان التجاري.

التأثير المحتمل والتوقعات 

يرى مراقبون أن قرار عدم اللجوء إلى برنامج جديد قد يعزز الثقة في الأسواق إذا نجحت الإصلاحات المحلية، خاصة مع زيادة الإيرادات السياحية بنسبة 22% في 2025. ومع ذلك، حذرت المؤسسات من مخاطر عدم الالتزام بالإصلاحات الهيكلية، مما قد يؤثر سلباً على التصنيفات المستقبلية. وتتوقع الوكالات نمواً اقتصادياً يصل إلى 5.5% بنهاية العام، مع التركيز على الشفافية والتنويع الاقتصادي لتجنب الاعتماد على المساعدات الخارجية. يُتابع الخبراء تطورات المراجعات المقبلة للبرنامج الحالي، حيث قد تحدد مستقبل العلاقة مع صندوق النقد.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء