مسارح الأقاليم وقصور الثقافة.. أحلام "الوزير الفنان" في مهب الريح
مع انقضاء عام 2025، الذي أعلنه الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، عاما لـ "الرقمنة والتحديث الشامل"، يقف المثقف والمواطن، خاصة في الأقاليم أمام تساؤلات مشروعة حول مدى تحقق تلك الوعود البراقة على أرض الواقع، فبينما كانت التصريحات الرسمية ترسم صورة وردية لمستقبل "توطين الثقافة"، تكشف الشواهد الميدانية عن فجوة لا تزال قائمة بين الخطط الطموحة وآليات التنفيذ.
قصور الثقافة.. "الرقمنة" التي لم تصل بعد
تعهد الوزير بأن يكون 2025 عام تحويل قصور الثقافة إلى "مراكز ذكية"، تتجاوز الأنشطة التقليدية لتقدم دورات في الذكاء الاصطناعي والبرمجة، ومع ذلك، لا تزال الغالبية العظمى من القصور في الصعيد والدلتا تعاني من ضعف البنية التكنولوجية وانقطاع خدمات الإنترنت، بل إن وعد افتتاح الـ 15 قصرا المتعثرة واجه تأجيلات متكررة بدعوى عدم اكتمال التجهيزات اللوجستية، مما أبقى خريطة الإنشاءات في "مرحلة الانتظار".
أما مشروع "سينما الشعب"، الذي كان يهدف للتوسع في القرى والنجوع، فقد اصطدم بعقبات تشغيلية، حيث اقتصر التوسع على مراكز المدن الكبرى، بينما ظلت المناطق النائية محرومة من شاشات العرض الموعودة، مما أفرغ شعار "السينما للجميع" من مضمونه الجماهيري الواسع.

مسارح الأقاليم.. أزمة "روح" الثقافة
رغم تأكيد الوزير أن المسرح هو "روح الثقافة الجماهيرية"، إلا أن الفرق المسرحية في الأقاليم لا تزال تئن تحت وطأة الميزانيات الهزيلة التي لم تقترب -كما وُعد- من ميزانيات مسارح القاهرة، كما أن خطة "الصيانة العاجلة" لأنظمة الحريق والإضاءة لم تكتمل في مسارح حيوية بالمحافظات، مما أدى لاستمرار إغلاق بعضها أو عملها بطاقات محدودة جدا، وهو ما حال دون انطلاق "النسخة المطورة" من مهرجانات الأقاليم بالصورة التي تم الترويج لها.
توطين الثقافة وأزمة غياب الآليات
في ملف العدالة الثقافية، كان الوعد بآلية جديدة لنشر أعمال أدباء الأقاليم طوق نجاة لم يتحقق بالكامل؛ إذ لا تزال البيروقراطية تعرقل وصول إبداعات الأطراف إلى منافذ التوزيع المركزية بالعاصمة.
وفي حين كانت مبادرة "ثقافتك في قريتك" تهدف لتحويل قرى "حياة كريمة" إلى نقاط إشعاع ثقافي، جاءت الفعاليات في معظمها "احتفالية وموسمية" تفتقر إلى الاستدامة، مع غياب واضح لبرنامج "كشاف الموهوبين" الذي كان من المفترض أن يربط النابغين بأكاديمية الفنون بشكل مؤسسي.
الشراكة مع القطاع الخاص.. طموح معلق
أما الرهان على الاستدامة المالية من خلال إشراك القطاع الخاص في إدارة مرافق القصور، فقد ظل حبرا على ورق في أغلب المواقع، وسط تخوفات إدارية وقصور في التشريعات المنظمة لهذه الشراكة، مما حرم الهيئة من موارد مالية كانت كفيلة بتمويل الأنشطة المجانية المتعثرة.

وعود الإسكندرية.. هل تبخرت في "بيرم التونسي"؟
في يونيو 2025، ضجت المواقع الإخبارية بخبر استقبال الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، للنجم محمد هنيدي، وقيل حينها إنها "خطوة استراتيجية" لنشر الفنون في المحافظات، وتم الاتفاق على أن تكون البداية من مسرح "بيرم التونسي" بالإسكندرية تزامنا مع تطويره.
مرت الشهور، وانقضى الموسم المسرحي تلو الآخر، ولم يشهد "بيرم التونسي" انطلاقة هنيدي الموعودة، ولم تصل "البهجة" التي وعد بها النجم الكوميدي إلى ربوع الوطن.
وتحول المشروع الذي وصف بـ "القومي" إلى مجرد ذكرى في أرشيف الوزارة، بينما ظلت ميزانيات التطوير ورفع الكفاءة تنفق دون مردود جماهيري يذكر، ودون أن يرى الجمهور "العدالة الثقافية" التي تحدث عنها الوزير سوى في البيانات الصحفية.

جيل الشباب.. صفقات "التريند" لا تبني وعيا
لم يتوقف الأمر عند هنيدي؛ ففي ديسمبر الماضي، تكرر المشهد مع الفنان الشاب مصطفى غريب، كان لقاء جديد، ووعود بتقديم أعمال تحاكي "لغة الشباب" وترسخ قيم الإبداع.
وقتها، قيل إن الوزارة تفتح أبوابها لجيل جديد، ولكن الواقع يشير إلى أن هذه اللقاءات تبحث عن "التريند" والأسماء اللامعة في "القطاع الخاص"، بينما يقبع الآلاف من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية وطاقات مسرح الدولة الشابة خلف الكواليس، بلا فرصة حقيقية وبلا دعم يذكر.

طاقات مُهدرة تحت عباءة "القطاع الخاص"
الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في عدم تنفيذ المشاريع مع النجوم، بل في "فلسفة الاستبدال" التي تنتهجها الوزارة، فبدلا من أن تستثمر الوزارة في "فرقة المسرح القومي" أو "مسرح الطليعة" لتقديم جيل جديد، تذهب للبحث عن اتفاقيات مع نجوم يمتلكون بالفعل منصاتهم الخاصة، تاركة مواهب الدولة الحقيقية في "ثلاجة" الانتظار، إذ أن هناك طاقات ومواهب في مسارح الدولة، من ممثلين ومخرجين ومؤلفين، يمتلكون قدرات استثنائية ولكنهم لا يملكون "متابعين" على إنستجرام، لذا فهم خارج حسابات الوزير".
متى يظهر العمل للنور؟

السياسة الحالية لوزارة الثقافة تعتمد على "بروتوكولات التعاون" دون جدول زمني واضح أو تنفيذ فعلي، تضعف من هيبة مسرح الدولة، فبينما يرحب الوزير بهنيدي "في بيته"، يظل أبناء هذا البيت الحقيقيون غرباء فيه، وتظل الستائر مغلقة في المحافظات، وتظل المشاريع "قيد الدراسة" إلى أن يطويها النسيان.