"خيانة الدم".. كيف تحول الميراث إلى تذكرة ذهاب بلا عودة إلى "العباسية"؟
في مصر، إذا طالبت المرأة بميراثها تتحول من وريثة شرعية إلى متهمة، ومن إمرأة طبيعية إلى مريضة نفسية مسلوبة الكرامة وليس الميراث، بتقرير مزور يحل الأخ أخته إلى عبء يجب التخلص منه.
لم تكن سيدة الدلنجات بمحافظة البحيرة التي ترددت قصتها خلال الأيام الماضية حالة فردية، بل نموذجا لنساء دفعن ثمن الطمع العائلي بشكل موجع وصادم: تشهير، ضرب، حبس قسري داخل أحد المستشفيات النفسية، وضغوط كبيرة وقاسية لإجبارهن على التنازل عن ميراثهن، والمؤسف أن خلف هذه الانتهاكات كان الأقرباء ليس الغرباء،فقد كان شقيقا حمل يوما لقب "السند"
في السطور التالية يستعرض موقع "إيجيبتك" جرائم لـ "إرهاب الميراث"، في ثلاث محافظات "البحيرة، الغربية، الدقهلية"، حيث تغتال كرامة النساء وتنتهك الحقوق الشرعية لهن، وكل هذا تحت وطأة طمع لا يرحم، كما نكشف كيف تحول الدم إلى خصم، وكيف أصبحت المطالبة بالحقوق ثمنا للغدر.
إرهاب بإسم الميراث
تباعدت المسافات بين البحيرة والدقهلية والغربية، وجمعهم نفس الوجع، نجد في هذه المحافظات الجاني واحد وهو "الطمع"، والضحية واحدة وهى "المرأة"، والشئ الوحيد الذي يتغير هو وسيلة " الإغتيال"، من التشهير بالسمعة، إلى الحجز القسري خلف قضبان المصحات النفسية، وصولا إلى الإعتداء الجسدى المروع، ولكي تتنازل لأنثى عن حقها الشرعي تتعرض للكثير من الإرهاب الأسري الصادم.
أسماء ابنة مركز الدلنجات بمحافظة البحيرة لم تتعرض لخلاف عائلي بسيط على الميراث، بل تعرضت لجريمة" الارهاب الاسري" حيث استخدم فيها الطب النفسي كسلاح لإسكات النساء وسلب حقوقهن، فقد تعرضت للاعتداء والخطف من قبل اخواتها لاجبارها على التنازل عن حقها الرعي في الميراث، عن طريق إدخالها مستشفى نفسي رغم سلامة قواها العقلية.
في ذلك اليوم، لم تكن أسماء تعلم أن خلاف الميراث بينها وبين اخواتها سيتحول الى محاولة لسلب حريتها، إذ وجدت اخواتها يستعينون بغرباء لإصطحابها قسرا إلى مصحة نفسية مدعين اضطراب حالتها العقلية.
وما يعتبر أكثر قسوة هو الحقيقة التي كشفها اشقاؤها للاجهزة الامنية عقب ضبطهم، بانها لم تكن مريضة، بل عقبة في طريق الطمع، فقد كان هدفهم هو السيطرة على ميراثها عبر حجزها في إحدى المصحات النفسية دون أي سند طبي حقيقي، بينما كانت هي محاصرة بالخوف والعجز امام من يفترض أن يكونوا سندها في هذه الحياة.
"روشتة الإغتيال".. كيف يباع "المرض النفسي" في سوق الميراث؟
فاجعة الدلنجات بالبحيرة لم تكن إلا صدى لمأساة أخرى شهدتها مدينة طنطا بمحافظة الغربية، في عام 2018 حيث كشف الستار عن واقعة جمدت الدماء في العروق، بعد تحول الاخ من سند إلى سجان، حيث أقدم أخ ببرود تام على إيداع شقيقته قسرا خلف جدران مستشفى للأمراض النفسية بطنطا، متسلحا بتقاير مزورة تدعي اصابتها باضطراب نفسي، فلم يكن الدافع حماية شقيقته او الخوف عليها، بل كان الخوف على "ميراثها" الذي آل إليها بعد وفاة والدتها، حيث سعى الاخ لتجريدها من أهليتها تمهيدا للاستيلاء على حقها الشرعي من الميراث بدم بارد.
ظلت "مها نصير" بين جدران الصمت الموحشة، حبيسة" قيد الجنون المفتعل"، فنجد وصمة عار لم ينسج خيوطها المرض، بل اصطنعها غدر شقيقها ليوارى بها سوءة طمعه، ولم تسترد الضحية أنفاس الحرية الا بمعركة حق قادتها منظمات حقوقية، نجحت في تمزيق قناع التزوير وكشف زيف التقارير الطبية، حيث تحولت "مها"بين ليلة وضحاها، من باحثة تحمل الماجستير في علم النفس ومتطوعة تشفي جراح المحتاجين، إلى سجينة خلف جدران مركز نفسي بطنطا، بسبب طمع شقيقها بعد مطلبها المشروع لميراثها من الأراضي الزراعية التي تركها لها والدها.
خيانة الدم
في مشهد مرعب شهد خيانة الدم، أقدم الأخ على إيداع شقيقته قسرا بداخل إحدى المصحات النفسية متجاهلا تقريرا طبيا سابقا يؤكد سلامة قواها العقلية، وتركها محتجزة بداخل إحدى الغرف لتتعرض لأبشع أنواع التعذيب النفسي، حيث أجبرت على تناول عقاقير تؤثر على الدماغ، كما خضعت لجلسات كهرباء دون تشخيص، في محاولة صريحة لصناعة جنون لم يكن موجودا من الأساس، وذلك لاجبارها على التوقيع على أوراق التنازل عن الأراضي التي ورثتها من أبيها.
لم تكن قصة "مها" ليست مجرد نزاع عائلي، بل كانت دليل إدانة لـ "بيزنس الجنون" الذي كاد أن يبتلع باحثة متخصصة، لولا أن صوت الحق كان أعلى من صرير أبواب المصحات المغلقة.
تعددت وسائل القهر والغدر واحد
مرت ست سنوات على صرخة مها نصير في طنطا، ليعود الصدى اليوم من الدلنجات بذات القهر، نجد أن السيناريو الاجرامي لم يتغير قيد أنملة، فالجاني لا يزال يرتدى قناع الأخ السند، والضحية هى الأخت التي يراد تجريدها من إرادتها قبل أموالها، واستخدام الطب النفسي كأداة لاغتصاب حقوق النساء في الميراث.
أخ ينهش جسد من ربته من أجل الميراث
في "الغربية والدلنجات"، اختبأ الغدر خلف جدران المصحات النفسية وصمت الغرف المغلقة، أما محطتنا التالية في الدقهلية فتنقلنا إلى فصل هو الأبشع في تاريخ جرائم الميراث، حيث لم يكتفي الجاني بسلب الحرية، بل قرر ممارسة الإرهاب الأخلاقي، في أبشع صوره.
فقد استيقظت محافظة الدقهلية في عام 2021 على أبشع جرائم الميراث، حيث اكتشفت الأخت أن من كان يفتضر أن يكون "سترها" هو ذاته الشخص الذي خطط لتعريتها، ففي هذه الواقعة، لم يعد الطامعون يكتفون بالحبس او ادعاء الجنون، بل انتقلوا إلى مربع أكثر دناءة وهو "سلاح الفضيحة المصنوعة".
لم تعلم الدكتورة اسراء وهي تستقل السيارة بجوار أخيها وسندها التي ربته بكل حب، والتي اعتبرته قطعة من قلبها، طفل أفنت زهرة شبابها في تربيته ليكون لها سندا بعد رحيل الأب، أنها مسرعة نحو "مذبحة لكرامتها"، حيث سقط قناع الأخوة ليظهر وجه الوحش.
فاليد التي طالما مسحت على رأسه بالحب، قيدها بـ "أفيز بلاستيكي"، والفم الذي طالما دعا له بالهداية، كممه بلاصق طبي، حيث أصبحت الجريمة "وأدا معنويا" مع سبق الإصرار، إذ حاول الأخ تجريد أخته من ملابسها لتصويرها في وضع يكسر شموخها كأنثى، ليقايض سترها بميراثها، ورغم أن القدر أنقذها من الفضيحة المصنوعة، إلا أنه ترك في روحها جرحا غائرا، فقصة الغدر التي ترويها جدران المنصورة اليوم هي عن أخ لم يتردد في التخطيط لنهش عرض شقيقته مقابل حفنة من تراب الدنيا، مستحلا العرض لنهب الأرض.
تعديلات 2017.. حماية الكرامة قبل الحقوق
خلف ستار "الخلافات العائلية"، تقع انتهكات تمس صميم الكرامة الإنسانية، فالحجز والتهديد والاعتداء الجسدي ليست شؤونا داخلية تحل بالترضية، بل هي جرائم لا يقبلها دين ولا يقرها قانون وتستوجب المحاسبة.
ولهذا جاءت تعديلات 30 ديسمبر 2017 لتكون طوق النجاه مدتها الدولة لتمسح بها أثار عقود من الظلم الاجتماعي، بعدما أدرك المشرع أن حرمان المرأة من حقها في الميراث ليس مجرد سلبا للمال بل هو كسر للنفس وإهدار للكرامة.
ومن هنا جاء التحرك التشريعي في المادة (49) من القانون رقم 77 لعام 1943 ليضع حدا فاصلا بين عادات بالية تظلم الإناث، وين دولة قانون تجرم هذا الظلم، وبهذا التحول العادل، خرج حرمان الأنثى من دائرة "العرف المقبول" ليدخل في دائرة "الجريمة المنبوذة"، فالقانون لم يعد يقف صامتا أمام من يستغل صلة الرحم ليأكل حقوق الضعفاء.
تحول الحرمان من الميراث إلى "جناية"
وفي هذا السياق، أوضح صلاح الشيتة، المحامي بالنقض والدستورية العليا ، أن الامتناع المعتمد عن تسليم الحصة الميراثية لا يجب أن يعامل كخلاف مدني فقط، بل كجريمة يعاقب القانون عليها، خاصة حين تجبر النساء على التنازل تحت وطأة العنف والتهديد.
وأضاف الشيتة، أن النيابة العامة يجب عليها أن تفتح تحقيقات فورية في قضايا الاستيلاء على التركة، لاسيما إذا اقترنت باعتداءات مثل الحجز القسري أو التشهير أو التهديد، فكل هذه الأفعال مؤثمة قانويا وتندرج تحت قانون العقوبات.
وفي السياق ذاته، أكد الشيتة، أن الحل يبدأ بتعديل تشريعي يدرج الامتناع عن تسليم الميراث ضمن الجرائم الجنائية، ويمنح جهات التحقيق صلاحيات أوسع لحماية الضحايا، خاصة النساء اللواتي يجدن أنفسهن في مواجهة أسرية غير متكافئة، يخسرن فيها القانون قبل أن يخسرن حقوقهن.
وأوضح الشيتة أيضا، أن الحجز القسري للورثة في مصحات نفسية بتقارير مزورة، والتعديات الجسدية والتشهير، تعد جرائم يعاقب عليها القانون، وقد تصل العقوبات فيها إلى السجن لمدة تصل إلى خمس سنوات.
واختتم حديثه قائلا: إن الحل الأساسي يكمن في تسريع إجراءات التحقيق والمحاكمة، لضمان ردع الجناة وتحقيق العدالة للضحايا.
صلة الرحم تذبح على أعتاب الميراث
في الوقت الذي يتحدث فيه الجميع عن التدين والالتزام الأخلاقي، تكشف ساحات المحاكم وأروقة المصحات النفسية وجها أخر صادما، وجه تغيب فيه الأخلاق وتذبح فيه صلة الرحم على أعتاب الميراث، حيث سلاح المعركة "تقرير نفسي" يحاول من خلاله البعض إثبات جنون ذويهم للاستيلاء على أموالهم، واستغلال الطب النفسي كستار للظلم.
ازدواجية التدين.. الصلاة في المسجد والظلم في تقسيم الميراث
وفي ذات السياق، بدأ الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي حديثه واضعا اليد على الجرح المجتمعي، واصفا الحالة الراهنة بـ "الانهيار الثقافي والقيمي"، قائلا: نعاني من ازدواجية دينية صارخة، فالالتزام شكلي فقط، لكن عند الامتحان الحقيقي في الحقوق والقسمة، نجد أن الاخلاق تغيب تماما، موضحا أننا نرى حالات لأكل حقوق الأخوات والإخوة بدم بارد، والاعتماد على أوراق قد تكون مزورة، ورغم ذلك يعتد بها لأن القانون يتعامل مع مستندات لا نوايا.
تقريرمزور.. السلاح السري لاحتجاز الورثة في مصحة نفسية
كما أشار الدكتور فرويز، إلى أن إيداع شخص سليم في أحد المصحات النفسية أمر ليس عشوائيا كما يعتقد البعض، فمن أوائل الألفينات، أصبح هناك نظام صارم، موضحا أن المريض يخضع لفحص دقيق، رسم قلب، ورسم مخ، واختبارات نفسية لا يدرك أبعادها إلا المتخصصون، كما أوضح أن الأهل قد يرون الشخص طبيعيا، لكن الطبيب يكتشف أعراضا ذهانية واضحة.
ويضيف الدكتور جمال فرويز أيضا، أن عند ادخال المريض المصحة أو المشفى النفسي يتم إبلاغ المجلس الأعلى للصحة النفسية في نفس اليوم، ولا يقبل الإيداع إلا بتوقيع الأب والأم أو الإخوة.
وعن رقابة جلسات الكهرباء بداخل المستشفيات النفسية، أكد الدكتور فرويز أنها لا تتم إلا بعد موافقة لجنة، وبحضور طبيب محايد من المجلس الأعلى للصحة النفسية للتأكد من الحالة.
التقرير الطبي" تحت المجهر" .. من يملك الكلمة الأخيرة؟
وحول ما يثار عن شراء ذمم بعض الأطباء لكتابة تقارير مزورة، أكد الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، أن المنظومة القضائية فطنة لهذا الأمر، قائلا:" القضاء والنيابة لا يعتمدان إلا على تقارير المستشفيات الحكومية، أما تقارير العيادات الخاصة، فهى للمتابعة فقط، والطبيب الذي يزور تقيرا يضع نفسه تحت طائلة القانون والقسم المهني".
وكشف فرويز أيضا عن " صمام الأمان" الأخير: قائلا:" إذا شكت المحكمة في تقرير ما، يتم عرض الحالة فورا على لجنة ثلاثية من كبار أساتذة الجامعات، غالبا في مستشفى العباسية، لإصدار تقرير نهائي لا يمكن التلاعب به".
القرار للمحكمة وليس للطبيب
واختتم الدكتور جمال فرويز، حديثه قائلا:" الطبيب يشخص المرض ويحدد العلاج فقط، لكنه لا يملك الحق في منع المريض من التصرف في أمواله، لأن هذا القرار اختصاص أصيل للمحكمة فقط، وبناء على تقارير اللجان الطبية الرسمية، من خلالها يصدر القاضي حكمه".