سيمبوزيوم أسوان.. حين يتحول النحت إلى جسور تربط بين التاريخ والفن
يعتبر سيمبوزيوم أسوان الدولي للنحت واحدًا من أبرز الملتقيات الفنية المتخصصة على مستوى العالم في مجال النحت على الجرانيت، وهو تجمع يدمج بين الإرث الفني العريق والتجارب المعاصرة في النحت.
تأسس السيمبوزيوم عام 1996 بمبادرة الفنان التشكيلي المصري الراحل آدم حنين، الذي كان يحمل رؤية واضحة لإبراز ثراء التراث الأسواني في فن النحت على الجرانيت، وتحويل المدينة إلى فضاء فني مفتوح يمكن أن يحتضن الإبداع المحلي والعالمي.
لم يكن الهدف من إنشاء السيمبوزيوم مجرد إقامة ورش عمل أو معرض فني عابر، بل كان يسعى إلى بناء منصة ثقافية دائمة تظهر الإمكانيات الهائلة للجرانيت المحلي، وتتيح للفنانين من مختلف أنحاء العالم تبادل الخبرات والرؤى الفنية، مما يعزز مكانة مصر كمركز عالمي للفنون البصرية والنحت.
مع مرور أكثر من 29 دورة على السيمبوزيوم، أصبح هذا الحدث ليس مجرد تجمع فني، بل تجربة ثقافية متجددة تعكس مدى التطور الفني المستمر، وتتيح للفنانين مساحة للتفاعل مع بيئة أسوان الطبيعية وتاريخها العريق، الأمر الذي يجعل كل عمل فني نتاجًا لتفاعل بين الماضي والحاضر، بين الحجر والفنان، وبين الإبداع الفردي والحوار الثقافي العالمي.

ومن بين الأهداف الرئيسة للسيمبوزيوم: إحياء التراث المصري القديم في مجال النحت من خلال استخدام الجرانيت المحلي، وتعزيز التواصل الفني والثقافي بين مصر وبقية دول العالم، بالإضافة إلى إنشاء متحف مفتوح يحتفظ بأعمال الفنانين على مدار السنوات، ليصبح متحف أسوان المفتوح وجهة ثقافية عالمية تجمع بين التاريخ والفن الحديث والمعاصر.
فعاليات الدورة الثلاثون
انطلقت فعاليات الدورة الثلاثون من سيمبوزيوم أسوان الدولي للنحت صباح أمس الأحد تحت رعاية وزارة الثقافة المصرية وبإشراف قطاع صندوق التنمية الثقافية برئاسة المعماري حمدي سطوحي، في خطوة تهدف إلى دعم الفنون الجادة وتعزيز الوجود الإبداعي في الفضاء العام.

تتضمن فعاليات الدورة مجموعة من الورش الفنية المتخصصة، إلى جانب تنظيم رحلات ثقافية للفنانين إلى مدينتي أسوان والأقصر، حيث يتم التعرف على المعالم السياحية والأثرية التي تلهم الفنانين في أعمالهم الفنية، وتربط أعمالهم بالمكان والتاريخ العريق للمدينة.
تمتد الدورة حتى 14 فبراير 2026، وتعد هذه الدورة استمرارية لمسيرة طويلة من الجهود التي بدأها مؤسس السيمبوزيوم، وتهدف إلى تحقيق التكامل بين التعليم الفني والتبادل الثقافي، وبين الإبداع الفردي والتفاعل مع الجمهور المحلي والدولي.

تعكس هذه الدورة حرص المنظمين على تطوير التجربة الفنية بشكل مستمر، من خلال استحداث أنشطة جديدة تهدف إلى تعزيز مهارات النحاتين، وتمكين الشباب الفنيين، وربط الإنتاج الفني بالبيئة الطبيعية الغنية التي تشتهر بها أسوان، بما يعكس العلاقة العضوية بين العمل الفني والمكان الذي يُنتَج فيه.

المشاركون والأنشطة
تضم الدورة الثالثة عشرة من السيمبوزيوم 19 فنانًا من مصر والدول الأجنبية، حيث يشارك في الورشة الرئيسية ستة فنانين أجانب يمثلون دول إيطاليا وألمانيا وكوسوفو وبيلاروسيا وتركيا وبلغاريا، بالإضافة إلى أربعة فنانين مصريين و ثلاثة مشاركين في ورشة الشباب.
يتميز المشاركون بتنوع ثقافاتهم وخبراتهم الفنية، وهو ما يخلق بيئة خصبة لتبادل الخبرات، وتقديم رؤى فنية مبتكرة تعكس المزج بين الثقافة المحلية والأساليب العالمية في النحت.

ومن أبرز الأنشطة المصاحبة، تنظيم ورش عمل فنية متخصصة تمكن الفنانين من تطوير مهاراتهم العملية، وزيارة المعالم السياحية والثقافية في أسوان والأقصر لتعميق فهمهم للبيئة المحلية وربط أعمالهم بالفن التاريخي والتراث المصري العريق، خاصة فيما يتعلق بفن النحت على الجرانيت الذي يشتهر به الإقليم منذ العصور القديمة.
كما تتيح هذه الورش تجربة تعليمية مباشرة، حيث يعمل الفنانون الشباب إلى جانب كبار الفنانين في مشروع تعليمي عملي يهدف إلى نقل الخبرات الفنية، وضمان استمرارية الحرف النحتية التقليدية، مع إدخال لمسات الإبداع المعاصر، ما يجعل كل نسخة من السيمبوزيوم تجربة غنية على المستويين الفني والثقافي.
شروط المشاركة
تتطلب المشاركة في السيمبوزيوم تقديم مجسم لفكرة العمل الفني المقترح، بحيث لا يقل أكبر ضلع فيه عن 25 سم، إلى جانب تقديم سيرة ذاتية وصور ثلاثة أعمال سابقة، وصورة شخصية وصورة الرقم القومي.
كما يشترط أن يكون حجم العمل المقرر للفنانين في الورشة الرئيسية لا يزيد عن مترين مكعبين، بينما لا يتجاوز حجم أعمال فناني ورشة الشباب مترًا واحدًا مكعبًا، مع الالتزام بالتواجد طوال فترة الدورة، وإحضار جميع الأدوات والمعدات اللازمة لإتمام العمل الفني.

كما تنص الشروط على أن ملكية الأعمال الناتجة عن الدورة تعود إلى وزارة الثقافة، ممثلة في صندوق التنمية الثقافية، الذي يتحمل أيضًا تكاليف النقل والإقامة للفنانين، إضافة إلى تنظيم رحلات ثقافية لتعريفهم بالبيئة المحلية وتاريخ المدينة.
هذه الشروط تضمن الحفاظ على جودة الأعمال الفنية، وتسهيل عملية تنظيم الورش، مع تمكين الفنانين من التعبير عن رؤاهم الإبداعية بحرية، مع الالتزام بالمعايير الفنية والتنظيمية للمؤسسة.
اللجنة العليا للسيمبوزيوم
تشرف على تنظيم وإدارة السيمبوزيوم لجنة عليا تضم مجموعة من الفنانين والقيادات الفنية المتميزة، من بينهم المعماري حمدي السطوحي رئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية، ووليد قانوش رئيس قطاع الفنون التشكيلية، بالإضافة إلى الفنانين الدكتور أحمد موسى والدكتور محمد عباس، والفنان والمعماري أكرم المجدوب بصفته القوميسير العام.
وقد أسس الفنان الراحل آدم حنين هذه اللجنة لضمان استمرار الرؤية الفنية للسيمبوزيوم، ولتخليد دور النحات المصري القديم في التعامل مع خامة الجرانيت الأسواني، مما يجعل كل دورة من السيمبوزيوم تجربة فريدة تعكس التوازن بين الإرث التاريخي والتجارب الفنية المعاصرة، مع الحفاظ على معايير الجودة والإبداع في الأعمال المشاركة.

متحف أسوان المفتوح
يمثل متحف أسوان المفتوح للنحت امتدادًا طبيعيًا للسيمبوزيوم، ويضم مجموعة من المنحوتات الحجرية الضخمة المصنوعة من الجرانيت الأسواني، التي تعكس التنوع بين المدارس الفنية المختلفة، من التجريد والتعبير إلى استلهام الطبيعة والتراث المصري، مع لمسات الحداثة المعاصرة. يتميز المتحف بطبيعته المفتوحة التي تتيح للزوار التفاعل المباشر مع الأعمال الفنية في بيئة طبيعية، مما يعمق تجربة التلقي الفني ويخلق رابطًا بين الفنان والمجتمع.
كما يعمل المتحف كمركز لتبادل الخبرات من خلال الورش المصاحبة، التي تسهم في تدريب النحاتين الشباب ونقل المهارات والخبرات الفنية إلى الأجيال القادمة، ليصبح المتحف نموذجًا للاستثمار الثقافي المستدام، ويعزز مكانة أسوان كوجهة عالمية تجمع بين الفن، التاريخ، والبيئة الطبيعية في تجربة متكاملة تتجاوز مجرد العرض الفني التقليدي.
التطورات الأخيرة
نجحت وزارة الثقافة في تخصيص حق انتفاع الأرض المخصصة لإقامة ورش السيمبوزيوم لمدة خمس سنوات، في خطوة تهدف إلى تعزيز النشاط الثقافي وتطوير التجهيزات الفنية الخاصة بالمؤسسات الثقافية في مصر.

وقد شهدت الدورات الأخيرة للسيمبوزيوم إقبالًا واسعًا من الفنانين من مختلف دول العالم، وهو ما يعكس أهمية هذا الحدث كمنصة للتبادل الثقافي والفني، فضلاً عن دوره في تعزيز مكانة مصر إقليميًا ودوليًا في مجال الفنون البصرية والنحت.
وأكد المعماري حمدي السطوحي على أن التنوع الكبير في المشاركات الدولية يعكس تعدد الاتجاهات والأساليب الفنية، ويخلق بيئة خصبة للإبداع والتجريب الفني.
كما تستمر وزارة الثقافة في تنظيم أنشطة موازية تهدف إلى تعزيز التنمية الثقافية بشكل تكاملي، وربط الإنتاج الفني بالبيئة المحلية، وفتح المجال أمام الفنانين الشباب لتلقي التدريب والخبرة العملية، مما يجعل كل دورة من سيمبوزيوم أسوان تجربة ثقافية متكاملة تحمل قيمة فنية وتاريخية كبيرة.
