الشراكة بين الصين وكوبا تهديد كبير لساحتنا الخلفية. تحت هذا العنوان تحدث كين بوب وماريا سالازار حول صفقة بمليارات الدولارات بين كوبا وأجهزة المخابرات الصينية حيث فيه الكاتبان الإدارة الأمريكية إلى الخطر الذي تمثله الصين كفرصة غير مسبوقة سيحصل عليها الرئيس الصيني شي جين بينغ للوصول للاتصالات الأمريكية الحساسة والأهداف ذات القيمة العالية كالقواعد العسكرية وحركة المرور البحرية عن طريق الشراكة بين بكين هافانا وكل ذلك يجري على بعد 100 ميل بحري تقريبا من الأراضي الأمريكية وهذا ما جعل ترامب وكمالا هاريس يضعان الصين في مرمی سهامهم خلال السباق الرئاسي المحموم بينهما على الرغم من كونهما من معسكرين سياسين متباينين فهل تحرك أمريكا لاعتقال مادورو إنذار شديد اللهجة لمن يعبت في الفناء الخلفي لها ؟ فقناء أمريكا الخلفي " مصطلح جيوسياسي يعكس طموح الهيمنة الأمريكية على جوارها القريب وتاريخ من التدخلات لمواجهة تهديدات متصورة، مع تمدد المعنى ليشمل مناطق أخرى في مواجهة قوى صاعدة.
كما يشير بشكل أساسي إلى منطقة نفوذ الولايات المتحدة التقليدية وخاصة أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي حيث تدخلت بشكل متكرر في شؤون دولها بحجة حماية المصالح أو مكافحة الشيوعية مع توسع المفهوم ليشمل مناطق أخرى مثل المحيط الهادئ في مواجهة الصين والتوسع الشيوعي ويستخدم أيضا للإشارة إلى المتنزهات الوطنية الأمريكية
ومنذ مطلع القرن العشرين تدخلت الولايات المتحدة مرارا في ما تطلق عليه "فناءها الخلفي" في الشؤون الداخلية لدول بقارة أميركا الجنوبية غالبا بحجة حماية المصالح الأميركية" أو "احتواء النفوذ الشيوعي".
وقد تركت هذه التدخلات أثرها على المشهد السياسي في المنطقة بشكل مستدام وأدت إلى نشوء توترات واسعة وخلال عقود الحرب الباردة تصاعدت التدخلات الأميركية في أميركا الجنوبية بشكل ملحوظ حيث دعمت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وأجهزة استخبارات أميركية أخرى انقلابات ضد حكومات منتخبة ديمقراطيا واعتبرتها واشنطن ذات توجه يساري زائد عن الحد أو معادية للولايات المتحدة.
و لهذا تدخلت أمريكا بمشرط جراح من أجل هندسة هذا الفناء الخلفي وكانت من أبرز ملامحه الاطاحة بالرئيس التشيلي سلفادور اليندي عام 1973 على يد الجيش بقيادة أوجستو بينوشيه في حين حظي المجلس العسكري في الأرجنتين بدعم أميركي بعد انقلابه عام 1976 في حين كانت "عملية كوندور" خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وفي إطارها نسقت أنظمة سلطوية في دول بأميركا الجنوبية من بينها تشيلي والأرجنتين وأوروغواي و باراغواي وبوليفيا والبرازيل وبمساندة فعالة من الولايات المتحدة عمليات ملاحقة واغتيال معارضين سياسيين على راسهم يساريون ونقابيون ومثقفون عبر حدود هذه الدول وشهد التاريخ حالة اعتقال مشابهة لما حدث مع مادورو اليوم قبل 36 عاما ففى 3 يناير 1990 سلم حاكم بنما مانويل نورييغا نفسه للقوات
الأميركية التي كانت هاجمت الدولة الواقعة في أميركا الوسطى أواخر عام 1989.
وفي عام 1992 ادين نورييغا في الولايات المتحدة بارتكاب جرائم من بينها تجارة المخدرات وبقي
في السجن حتى وفاته عام 2017 على العكس من ذلك حظيت أنظمة استبدادية لكنها موالية الأمريكا بدعم عسكري واقتصادي لا سيما في أميركا الوسطى مثل غواتيمالا أو السلفادور وغالبا ما بررت الولايات المتحدة هذه التدخلات بـ "مكافحة الشيوعية" أو "التصدي لتجارة المخدرات" ومع محدودية البنى التحتية العسكرية الأمريكية في أمريكا اللاتينية والتي تقتصر على قاعدتي غوانتانامو وسوتو كانو عادت بورتو ريكو لتؤدى دورها التاريخي كمنصة متقدمة للعمليات الأمريكية كما أصبح ميناء بونس مركزا لرسو القطع البحرية بينما تستخدم منشآت الحرس الوطني في مطار لويس مونيوز مارين لطلعات الاستطلاع الجوي بطائرات "بي 8 ايه - بوسيدون" والأهم أن قاعدة روزفلت رودز البحرية أعيد فتحها بعد أكثر من 20 عاما من الإغلاق لتستقبل عمليات الدعم والإمداد البحري فالوجود الأمريكي المتنامي في الموانئ الكاريبية يفتح ثغرات استخباراتية إذ تدير
شركات صينية أبرزها "سی کیه ها تشیسون موانئ حيوية في المكسيك وبنما استخدمتها القطع. الأمريكية مؤخرا. ويخشى البنتاغون من أن تستغل بكين هذه النقاط لجمع بيانات عن أنماط تحرك. الأسطول الأمريكي في إطار تنافس أوسع يمتد من بحر الصين الجنوبي إلى الكاريبي عودة "مبدأ مونرو" يتوب عسكري جديد خاصة أن هذه التطورات تظهر أن واشنطن تعيد تركيزها إلى الحديقة الخلفية" بعد عقود من الانشغال بالشرق الأوسط وآسيا. ومع توجه استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2025 نحو إعطاء الأولوية للأمن الداخلي ونصف الكرة الغربي تبدو بورتو ريكو حجر الزاوية في هذا التحول لكن تحويل الانتشار الراهن إلى وجود دائم يتطلب استثمارات ضخمة في البنى التحتية اللوجستية في أمريكا الجنوبية وتوضيحا لاستراتيجية الانخراط الإقليمي المقبلة. و منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض وهو يسعى لفرض معادلة عالمية جديدة عنوانها الصريح هو حكم القوة العارية قوة إمبريالية مأزومة ومذعورة من تراجع هيمنتها وصعود منافسين دوليين وفي مقدمتهم الصين
فهذه الشراكة بين بكين وهافانا تهديدا أمنيا واستفزازا ليس فقط للولايات المتحدة بل للحرية في جميع أنحاء نصف الكرة الغربي وهذه ليست المرة الأولى التي تهدد فيها هافانا أمن أمريكا فقد سبق أن استضاف نظام كاسترو منشآت مماثلة مع الاتحاد السوفييتي ولاحقا مع روسيا
وفي هذا السياق يعمل ترمب على إعادة إحكام السيطرة على ما تعتبره واشنطن فناءها الخلفي" في أمريكا الوسطى اللاتينية وتأتي فنزويلا على رأس قائمة الدول المطلوب تأديبها وعلى الأرجحستليها كوبا وهذا ما صرح به علنية نائب الرئيس الأمريكي فانس فلا يهم القانون الدولي ولا سيادة الدول ولا إرادة الشعوب كل ذلك يمكن رميه في سلة المهملات حين تتعارض مع مصالحالإمبراطورية و بالتوازي تضخ الإدارة الأمريكية الأموال والدعم السياسي لصالح حلفائها ووكلائها في القارة بينما يتصاعد نفوذ اليمين واليمين المتطرف مستندا إلى هذه الرعاية الأمريكية المباشرة أن العدوان العسكري على فنزويلا لن يجلب سوى المزيد من الدماء والفوضى والتدخلات الوقحة في شؤون شعوب القارة من أجل هندسة الفناء الخلفي الأمريكا.