«نحيل يتلبسه بدين أعرج».. جلال برجس يعود بالقصة القصيرة إلى الوجع الإنساني
صدر حديثًا للروائي الأردني الكبير جلال برجس المجموعة القصصية «نحيل يتلبسه بدين أعرج»، وذلك بالتزامن مع انطلاق فعاليات الدورة الـ57 من معرض القاهرة الدولي للكتاب، المقرر إقامتها خلال الفترة من 21 يناير الجاري وحتى 3 فبراير المقبل، في إصدار جديد يعيد القصة القصيرة إلى الواجهة بوصفها فنًا قادرًا على التقاط لحظة الإنسان العربي المأزومة.
وحول ظروف كتابة المجموعة، قال جلال برجس إن هذه القصص كُتبت خلال عام واحد، في ظل إلحاح تقاطع المشاهدات الخارجية مع التجربة الجوانية، حيث تتماهى اللحظة العامة مع اللحظة الذاتية، ليخرج السرد القصصي من منطقة تقع بين رؤية الشعر ورؤية الدراما، في محاولة لالتقاط الهشاشة الإنسانية في أكثر تجلياتها صدقًا وقلقًا.
وأضاف برجس أن فعل السرد في هذه المجموعة لم يكن منفصلًا عن الواقع، بل جاء نتاج تفاعل عميق مع تفاصيل اليومي والإنساني، حيث تتحول التفاصيل الصغيرة إلى أسئلة كبرى عن الوجود والمعنى.
المجموعة القصصية الثانية
وأوضح برجس، في بيان صحفي، أن «نحيلٌ يتلبّسه بدينٌ أعرج» تمثل إصداره القصصي الثاني، معتبرًا ذلك إشارة شخصية تؤكد أنه لن يتوقف عن كتابة القصة القصيرة، رغم انشغاله بالرواية، مؤكدًا في الوقت نفسه استمراره في مشروعه الروائي دون تعارض بين الشكلين.
وختم برجس حديثه بالإشارة إلى أن هذه الرؤية نابعة من إيمان خاص بالتداخل العميق بين الفنون والآداب، معتبرًا أن هذا التداخل يعكس واقعنا المعاصر وخياله، ويمنح السرد طاقته التعبيرية الأوسع.
الشارع العربي
ويرى جلال برجس أن الشارع العربي لا يزال مسرحًا حيًا لعدد لا يُحصى من القصص، القادرة على ملامسة راهن الإنسان في واحدة من أكثر المراحل التباسًا في التاريخ، مؤكدًا أن الإجابة عن التساؤل الدائم حول تراجع فن القصة القصيرة أمام صعود الرواية، لا تأتي من التنظير النقدي فقط، بل من عمق الشارع نفسه.
وأشار إلى أن اللحظة الراهنة تشهد تداخلًا لافتًا بين الخاص والعام، ما يُنتج شكلًا سرديًا يقترب أحيانًا من الفنتازيا الساخرة، ويعكس حجم الارتباك والقلق الذي يعيشه الإنسان المعاصر.
هشاشة الإنسان بطلة القصص
وبحسب بيان دار الشروق، تستلهم المجموعة القصصية «نحيلٌ يتلبَّسه بدينٌ أعرج» فكرة الهشاشة الإنسانية بوصفها البطلة الحقيقية للنصوص، حيث يبدو الواقع مجرد طبقة رقيقة تخفي تحتها كوابيس اليقظة، وتتقاطع فيها العزلة والخوف والقلق الوجودي في صور سردية مكثفة.
وتغوص القصص في مناطق معتمة من النفس البشرية، كاشفة عن عالم مشوَّه يتصارع فيه الإنسان مع ذاته ومع محيطه، في محاولة يائسة للعثور على معنى أو خلاص.

قصص عن العزلة والفقد والخوف
وضمّت المجموعة عددًا من القصص اللافتة، من بينها «مدينة العيون المتلصصة»، حيث يصبح كل سرّ مشاعًا إلا سر الروح، و«صانع الشواهد»، التي يُنقش فيها الموت قبل أوانه، ليتحوّل الخوف إلى حقيقة قائمة، و«ناي الأكتع»، حيث ينتظر اللحن اكتماله على أصابع الريح، في استعارة مكثفة للفقد.
كما ترسم القصص مشاهد غرائبية لشخصيات مأزومة، من موظف يطارده كلبه النافق، إلى رجل يحارب فوضى العالم بمكنسة، وصولًا إلى شخصية تكتشف أن جسدها النحيل قد تلبّسه شخص بدين أعرج، في فسيفساء سردية تكشف تشظي الذات الإنسانية.
جلال برجس.. مسيرة حافلة بالجوائز
ويعد جلال برجس أحد أبرز الأصوات الأدبية في المشهد الثقافي العربي، حيث تُوّجت مسيرته الإبداعية بالفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) عام 2021 عن روايته الشهيرة «دفاتر الوراق».
كما وصلت سيرته الروائية «نشيج الدودوك» إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2023، وسبق أن بلغت روايته «سيدات الحواس الخمس» القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2019، فيما وصلت روايته الأحدث «معزوفة اليوم السابع» إلى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، على أن تعلن النتائج في أبريل 2026.
وحصد برجس عددًا من الجوائز المرموقة، من بينها جائزة كتارا للرواية العربية عام 2015 عن «أفاعي النار»، وجائزة رفقة دودين عن «مقصلة الحالم»، وجائزة روكس بن زائد العزيزي عن مجموعته القصصية «الزلزال»، كما وصلت الترجمة الإنجليزية لرواية «دفاتر الوراق» إلى القائمة الطويلة لجائزة بانيبال العالمية للأدب المترجم.
وتنوعت إصداراته بين الشعر، وأدب المكان، والنقد، كما تُرجمت أعماله إلى عدة لغات، من بينها الإنجليزية والفرنسية والفارسية والهندية والإيطالية.
نشاط ثقافي وإعلامي متواصل
إلى جانب الكتابة، يعمل جلال برجس حاليًا في المركز الأردني للتصميم والتطوير، ويعد ويقدم برنامجًا إذاعيًا بعنوان «بيت الرواية»، كما يشغل عددًا من المناصب الثقافية، من بينها خبير ثقافي في المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، ومستشار في أكاديمية إثراء، ورئيس مختبر السرديات الأردني، ورئيس تحرير مجلة «صوت الجيل» المعنية بأدب الشباب.