رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بين الحرب والمنفى.. محمد جودة يوثق الوجع الفلسطيني برواية "هارب إلى قدري"

رواية هارب إلى قدري
رواية هارب إلى قدري

صدر حديثًا عن دار سكرايب للنشر والتوزيع رواية «هاربٌ إلى قدَري» للكاتب والطبيب الفلسطيني الدكتور محمد جودة، في عمل أدبي ينتمي إلى السرد الإنساني العميق، مستندًا إلى تجربة واقعية عاش تفاصيلها المؤلف، ليقدّم شهادة أدبية توثق الأثر النفسي للحرب والاغتراب والفقد على الإنسان الفلسطيني. ومن المقرر أن تشارك الرواية ضمن إصدارات الدار في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام، لتكون واحدة من أبرز الأعمال التي تناقش الوجع الفلسطيني بلغة سردية هادئة ومكثفة.

الحرب على غزة

تدور أحداث الرواية في فلك الحرب على غزة، حيث تقتحم الفجائية حياة الأبطال، وتنسف الأحلام المؤجلة، ويختلط الزمن في مساراته، كأنه يعيد إنتاج نفسه بصورة أكثر قسوة، فلا يعود الماضي ماضيًا ولا الحاضر حاضرًا، بل تتداخل الأزمنة في مشهد واحد يطغى عليه الفقد والانكسار، وتصور الرواية الحرب بوصفها حالة مستمرة لا تنتهي بانتهاء القصف، بل تترك آثارها العميقة في الذاكرة والنفس والهوية.

هارب إلى قدري

تبتعد رواية «هاربٌ إلى قدَري» عن خطاب البطولة والشعارات المباشرة، ولا تتكئ على اللغة الخطابية أو المواقف الجاهزة، بل تذهب مباشرة إلى جوهر الألم الإنساني، كاشفة عن هشاشة الإنسان في مواجهة العنف والاقتلاع والغياب.

وتطرح الرواية أسئلة وجودية كبرى حول المعنى والمصير والهوية، خاصة في لحظات الانكسار القصوى، حين تتعرّى النفس من كل أقنعتها، وتصبح المواجهة مع الذات أكثر قسوة من مواجهة الواقع.

الاغتراب

تحضر تجربة الاغتراب في الرواية بوصفها جرحًا نفسيًا لا يندمل، حيث يعيش الأبطال حالة من الانفصال القاسي عن المكان والناس والذاكرة ويجسّد الكاتب وحدة المنفى وغياب الصدى الإنساني في أحد المقاطع قائلًا:

«في الغربة يصرخ المرء على اتساع المدى، دون أن يرتدّ إليه الصدى، كأن صراخه بلا قدمين»، وهي عبارة تختصر إحساس المنفي بالعجز والوحدة والفراغ، حين يصبح الصوت بلا أثر، والوجود بلا اعتراف.

حلم العودة بين التوقع والخذلان

تتوقف الرواية طويلًا عند فكرة العودة، ليس بوصفها خلاصًا مضمونًا، بل كحلم محفوف بالتوقعات العالية والخيبات المؤلمة. ويعبّر المؤلف عن هذه المفارقة بقوله:

«ما أبسط أحلامنا حين نغترب، وما أقصى توقّعاتنا حين نعود، وما أشدّ خذلان الروح حين تفتك بها الخيبة»، في توصيف عميق للفجوة بين ما نرسمه في المخيلة، وما نصطدم به في الواقع، حين لا تأتي العودة كما حلمنا بها.

التجربة الفلسطينية

تضع «هاربٌ إلى قدَري» التجربة الفلسطينية في قلب السرد، باعتبارها حياة مؤجلة بفعل الاحتلال، حيث يُجبر الإنسان على تأجيل مشاعره وأحلامه واحتفالاته وحتى حياته ذاتها. ويعبّر الكاتب عن ذلك في أحد مقاطع الرواية بقوله:

«لقد أرغمنا الاحتلال، نحن الفلسطينيين، على تأجيل الحب والفرح واللقاء والاحتفال، وأجبرنا، قبل ذلك كلّه، على تأجيل الحياة»، في تلخيص مكثف لمعنى العيش تحت وطأة القهر المستمر.

الكتابة كفعل مقاومة وتعاف

ويشير الدكتور محمد جودة إلى أن دافع كتابة الرواية لم يكن أدبيًا فقط، بل جاء بوصفه محاولة لتثبيت صورة مرحلة نفسية فارقة، ومنعطف شعوري لا يمكن تجاوزه دون الاصطدام بأسئلة وجودية موجعة. كما يؤكد أن الكتابة كانت وسيلة للتخفيف من أعباء الذاكرة المثقلة بالمآسي، ومحاولة للتعافي ومواساة الذات، وتحويل الألم الشخصي والجمعي إلى شهادة إنسانية قادرة على البقاء والتأثير.

رواية شهادة للذاكرة الفلسطينية

بهذا الطرح، تأتي رواية «هاربٌ إلى قدَري» بوصفها عملًا أدبيًا يزاوج بين التوثيق الشعوري والسرد الروائي، مقدمة شهادة صادقة عن الحرب والاغتراب والفقد، ومؤكدة أن الأدب ما زال قادرًا على حمل الذاكرة الفلسطينية، لا بالشعارات، بل بالإنسان ومعاناته وأسئلته المفتوحة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء