رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بيرم التونسي.. شاعر الشعب الذي حول العامية إلى تاريخ نضالي وفن خالد

بيرم التونسي
بيرم التونسي

تحل في الخامس من يناير ذكرى رحيل الشاعر الكبير محمود محمد مصطفى الحريري وشهرته «بيرم التونسي»، أحد أبرز رموز شعر العامية والزجل في مصر والعالم العربي، وصاحب تجربة إنسانية وإبداعية استثنائية، امتزج فيها الشعر بالسياسة، والمنفى بالنضال، لتصنع سيرة فنية فريدة جعلته يستحق عن جدارة لقب «شاعر الشعب».

النشأة

ولد بيرم التونسي في 23 مارس عام 1893 بحي السيالة الشعبي في مدينة الإسكندرية، لأسرة تعود جذورها إلى تونس، حيث استقر جده في مصر مطلع القرن التاسع عشر هربًا من صراعات عائلية، واتخذ من الإسكندرية وطنًا جديدًا.

التحق بيرم في طفولته بكُتّاب الشيخ جاد الله، ثم انتقل إلى المعهد الديني بمسجد المرسي أبو العباس، إلا أن ظروف الحياة القاسية حالت دون استكمال تعليمه النظامي، خاصة بعد وفاة والده ثم والدته وهو في سن مبكرة.

ورغم تركه التعليم، لم ينقطع عن المعرفة، بل عوّض ذلك بثقافة واسعة، حيث حفظ القرآن الكريم، وقرأ في علوم اللغة والبلاغة والأدب، وتأثر بالتراث الصوفي وكتب الفلسفة والتاريخ الإسلامي، إلى جانب اطلاعه على تجارب الزجالين الشعبيين، ما كوّن لديه وعيًا لغويًا وفكريًا انعكس بوضوح في أشعاره لاحقًا.

من التجارة إلى الكلمة الساخرة

عمل بيرم في بداية حياته بتجارة الأقمشة على خطى والده، إلا أن ضيقه من الواقع الاجتماعي، خاصة كثرة الضرائب التي فرضها المجلس البلدي بالإسكندرية الخاضع لسيطرة الأجانب، دفعه إلى التعبير عن غضبه بالكلمة الساخرة. وكانت أولى محاولاته الأدبية قصيدة هجاء لاذعة نشرت في جريدة «الأهالي»، ولاقت نجاحًا واسعًا، ما شجعه على هجر التجارة والتفرغ للأدب.

ومن هنا، بدأت رحلته مع الصحافة، فأسس مجلة «المسلة» ثم مجلة «الخازوق»، وهاجم من خلالهما الفساد والاستبداد والأسرة الحاكمة، الأمر الذي أدى إلى إغلاق مجلاته ومطاردته سياسيًا.

النفي

لم تكن حياة بيرم التونسي بعيدة عن الصدام مع السلطة، إذ تعرض للنفي أكثر من مرة، فكان منفاه الأول إلى تونس، موطن أجداده، حيث عانى الفقر وتنكر الأقارب، ثم عاد إلى مصر متسللًا بجواز سفر مزيف، قبل أن يكتشف أمره وينفى مجددًا إلى فرنسا.

وفي باريس، عاش بيرم أقسى سنوات حياته، متنقلًا بين أحياء الفقراء، واصفًا حاله بأنه يعيش «حياة التشرد»، لكنه لم يتوقف عن الكتابة، بل صقلت الغربة تجربته، فكتب أشعارًا تمتلئ بالحنين والسخرية والألم، وسجل مشاهداته عن الفرق بين أحوال الوطن والمدن الأوروبية بأسلوب نقدي لاذع.

بيرم وسيد درويش

ارتبط اسم بيرم التونسي ارتباطًا وثيقًا بالموسيقار سيد درويش، حيث شكّلا معًا ثنائيًا فنيًا أسهم في صياغة ملامح الأغنية والمسرح الغنائي المصري، وقدما أعمالًا خالدة مثل أوبريت «شهرزاد»، ولم تقتصر إسهاماته على هذه المرحلة، بل امتدت لتشمل كبار نجوم الغناء العربي.

مع أم كلثوم وكبار المطربين

كان لأم كلثوم النصيب الأكبر من روائع بيرم التونسي، إذ غنت له أعمالًا لا تزال حاضرة في الوجدان المصري والعربي، من بينها: «أنا في انتظارك»، «هو صحيح الهوى غلاب»، «الحب كده»، و«القلب يعشق كل جميل»، كما غنى بكلماته فريد الأطرش وأسمهان ومحمد فوزي وشادية، لتتحول أعماله إلى تراث فني خالد، تجاوز حدود الزمان والمكان.

شاعر الشعب

لم يكن بيرم مجرد شاعر عامية، بل مؤرخًا اجتماعيًا وفيلسوفًا ساخرًا، عبر عن هموم الفقراء والمهمشين، وفضح الفساد والاحتلال بلغة بسيطة وعميقة في آن واحد. وقد شهد له كبار المفكرين والأدباء؛ فقال الدكتور طه حسين: «أخشى على الفصحى من عامية بيرم»، في إشارة إلى قدرته الفذة على الارتقاء بالعامية إلى مصاف الفن الرفيع، بينما أكد الدكتور مصطفى مشرفة عالمية فنه ومكانته بين كبار شعراء العالم.

إنصاف متأخر بعد ثورة يوليو

ظلت وضعية بيرم القانونية معلقة لسنوات، إذ عاش في مصر دون جنسية رسمية، حتى جاءت ثورة يوليو 1952 التي أنصفت «شاعر الشعب»، فدعمها بيرم بقصائده، وحصل على الجنسية المصرية عام 1954، ثم كرمه الرئيس جمال عبد الناصر بمنحه وسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى وجائزة الدولة التقديرية عام 1960.

الرحيل

في سنواته الأخيرة، عانى بيرم التونسي من مرض الربو الذي أنهك صحته، حتى رحل عن عالمنا في 5 يناير 1961 عن عمر ناهز 67 عامًا، تاركًا خلفه إرثًا ضخمًا من الأزجال والقصائد والأغاني والمسرحيات، وتجربة نضالية جعلت من الكلمة سلاحًا ومن العامية فلسفة وطنية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء