رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

سألت المذيعة «منى الشاذلي» سؤالًا ربما لا يليق – من وجهة نظري - بقامة مثل «سيد حجاب» أن يوجه إليه مثل هذا، حينما سألته: «من المغني الذي تفتخر بأنه غنى من كلماتك؟»، فرد عليها بكل هدوء ورقي وتحضر: «كل الممثلين الذين غنوا لي»، وربما أدركت حينئذ أن كلمات الشاعر الكبير إنما هي التي صنعت تاريخًا لمغنيها لا العكس !!


وفي رأيي أنه ربما تزين فيلم «الكيت كات» عن رواية «مالك الحزين» للأديب «إبراهيم أصلان» برائعة «سيد حجاب»، التي ربما بسببها صار من يومها لا يذكر الفنان الكبير «محمود عبد العزيز» إلا وذكر معه تلازما شخصية «الشيخ حسني»، وكذا أغنيته الشهيرة التي لحنها «إبراهيم رجب»: (ياللا بينا تعالوا نسيب اليوم في حاله.. وكل واحد مننا يركب حصان خياله.. درجن درجن درجن درجن.. إلخ).


وربما في 1989م لم يشتهر بين الجماهير اسم الفيلم الذي حوى رائعة (اتفضل من غير مطرود) والتي غناها "نجاح الموجي"، ولحنها "سامي الحنفاوي" عن سياق درامي افتعل فيه المخرج تلك الأغنية، عندما رأى المخرج جفاف أحداث ذاك الفيلم المأسوي (أيام الغضب)، كما رأى أن الأغنية ستسهم في الترويج للفيلم، برغم كبار نجوم الشباك به، مثل "نور الشريف" و"يسرا" و"إلهام شاهين"؛ مما أدى إلى شهرة الأغنية عن العمل نفسه، حيث كانت كلمات "سيد حجاب" جوازا لمرور الفيلم للجماهير آنذاك، بل ربما عاشت الأغنية أكثر مما عاش العمل برمته.


وتكرر مع "نجاح الموجي" نفس الأمر بفيلم "ليه يا بنفسج"، في أغنية "سلام للعروسة"، وقد صارت هي الأخرى أميز ما بقي من الفيلم – رغم جودته - في ذاكرة الجماهير، كما غنى له من الممثلين أيضا، مثالًا: "محمود عبد العزيز" و"عبد المنعم مبدولي" و"عادل إمام" و"عمر الشريف" و"أحمد زكي".. وغيرهم. وبطبيعة الحال؛ كان من الممثلين الذي غنوا كلماته، من لا يجيد الغناء أصلا، لكنه تألق بكلمات "حجاب" المعجونة بماء العمل الدرامي التي كتبت داخل سياقه، وربما أضاف ذلك إلى العمل نفسه. بل إن كثيرًا من أغانيه بالأعمال الدرامية كان سببا مباشرًا في نجاح العمل برمته، مثل "مسلسل الأيام" الذي أعاد كتابة السيناريو له، مستخدمًا الأغنية داخل السياق الدرامي بمهارة واقتدار.


وهنا تذكرت شهادة الأديب الكبير "يوسف القعيد" حين سألته سؤالًا، بإحدى الندوات التي تشرفت بإدارتها على مسرح دار الأوبرا المصرية، كان منطوقه: (عندما كتب "سيد حجاب" التتر لمسلسل "وجع البعاد"، غناء "علي الحجار" عن روايتكم التي تحمل نفس الاسم، هل عبرت كلماته عن سياق الرواية أحداثا ظاهرة، وفلسفة كامنة؟)؛ فأجابني: نعم عبرت بشكل كبير، بل واختصرت أحداث الرواية في كلمات معدودة !! فقلت: "إن كلمات "سيد حجاب" تملك دوما حضور يشبه حضوره الشخصي" (يرحمه الله).


وقد رحل "حجاب" في يناير (2017م)، وفي ذكراه أعيد نشر "قصة قصيرة" كتبها قلمي المتواضع عن بعض من علاقتي به، تمثلا لحدث واقعي بقاعة "عمر مكرم" أثناء مراسم تلقي العزاء في الفقيد، يرحمه الله.. والقصة بعنوان "مندوب السيد الرئيس"، حيث يحمل شخصي الضعيف بها لقب "غريب".. فإلى طيف ذكراه (يرحمه الله) أهدي ذاك العمل المتواضع: 


"مندوب السيد الرئيس"..
(اتصل به "حمدي" صباحًا، فرد "غريب" وهو يغالب جهد يوم ترك أثره في صوته الذابل: "أنا في الطريق"، تسارعا سويًّا لركوب آخر عربات القطار لحاقًا بالعزاء المهيب، تقاذفت الذكريات على ذهنه مستدعيًا عبقًا لذكريات معتقة تأتيه طوعًا على نغمات صوت القطار المنتظم: "ياللا بينا تعالوا نسيب اليوم في حاله.. وكل واحد مننا يركب حصان خياله.. درجن درجن درجن درجن". 


وصلا إلى قاهرة المعز في لهفة وحنين، "حمدي" يعرف الفقيد منذ كان يدق بوابة الحياة بيديه لدخول الطيبين، لكن "غريب" كان يعرفه منذ "حورس"، كما كان "حمدي" يعرف الطريق لقاعة مناسبات عمر مكرم، فالطريق بالنسبة للمهمشين هو الرحلة، والرحلة تصطحب أنس همهمات نغمة تتعانق في وجدان "غريب" ولا تفارق وسوسات أذنه وتستنطق لسانه: "درجن درجن درجن درجن".. كما لحن خلفي خفي في حضرة السيمفونيات تتركب منه المقطوعات: "درجن درجن درجن درجن". 


اصطفا طابور العزاء دخولًا، وتمكن كليهما من كرسيه، اختار هو واجهة المسجد، مكان مميز يرى فيه جموع المعزين رجالًا ونساءً، وزراء وأمراء، مفكرين وعلماء، سياسيين وفنانين كان عزاءً يليق بفقيد مصر، وكان ثقل رياح الأنظار صوبه وصوب جيرانه الوزراء والأمراء، الذين كانوا ينظرون له في دهشة وربما إشفاق، لم يميز، لكنه كان يشعر بفناء قدسي مع طيف الفقيد الذي كانت كلمات أشعاره هي واسطته للجلوس مع حكام مصر ووزرائها جنبًا إلى جنب، لاحظ وكذلك "حمدي" الجالس في مقعد متناء تقديرًا وتحيات خاصة من عموم المعزين تميزه عن بقيتهم من جيران مقعده الذين ما زالوا يراقبنه مندهشين، هامت نفسه تحدثه: كيف لساكن المدينة المنسية أن يتمتع بكل ذاك التقدير؟!، لعله جلال الموت هو الذي ميزه أو ساواه بالكبار، حيث تتساوى في جلاله الرؤوس كما تساوت مع أديم الأرض الأقدام، فالنظر لموضع قدميك فقط هو من يساويك بمن شاركوك الأرض. وفي حضرة الموت تستطيع رفع رأسك وكذا صوتك عويلًا، صوتك الآن مسموع مع "الغلابة" الذين قد يحتلون مع الموت - والموت فقط - أول الصفوف.


ساعتها صرخت وسوسات أذنه في خلفية المشهد: "درجن درجن درجن درجن". لكن مع صراخه كطير لم ينس أن يطرح نفسه أرضًا؛ ليشير لكبار القوم بيديه التي كانت تطير معه وحطت رحالها عند مستوى الأنظار.


والله طرت يا "حمدي" وما وطئت قدماي الأرض إلا لرد تحية المعزين. هم من الدنيا وفقيدي طار بي إلى العلا. أرأيتني وهم يحتفون بي في أول صفوفهم؟، لعلهم رأوني بصحبة الفقيد؛ يعلمني الطيران! فبادره "حمدي" بما حط به من علٍ حين قال له متأسفًا: "هم لا يرونك يا صديقي كي يحتفوا بك. لقد كانوا يحيون لافتة معدنية معلقة أعلى كرسيك مكتوب عليها "مندوب السيد رئيس الجمهورية !!..."). 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء