رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لماذا أصبح سلوك العميل محور التسعير بقطاع التأمين؟.. 5 أسباب تفسر

قطاع التأمين
قطاع التأمين

يشهد قطاع التأمين عالميًا تحولًا نوعيًا في طريقة فهم وتقييم الأخطار، مع الانتقال التدريجي من النماذج الاكتوارية التقليدية إلى نماذج أكثر تطورًا تعتمد على تحليل السلوك الفعلي للعملاء، ولم يعد هذا التحول  مجرد اتجاه نظري، بل أصبح أحد المحركات الرئيسية لإعادة صياغة علاقة شركات التأمين بالمؤمن عليهم، ونقطة فاصلة في مستقبل تسعير المخاطر.

قطاع <a href=
قطاع التأمين

من الحسابات الإحصائية إلى فهم السلوك

تاريخيًا، اعتمدت صناعة التأمين على التقييم الاكتواري القائم على تحليل البيانات الديموغرافية وسجلات المطالبات السابقة وخصائص الشيء المؤمن عليه، بهدف التنبؤ باحتمالية وقوع الخطر خلال مدة الوثيقة،  ورغم دقة هذه النماذج من الناحية الإحصائية، فإنها أغفلت عنصرًا محوريًا هو سلوك المؤمن عليه نفسه، مثل أسلوب القيادة، أو نمط الحياة الصحي، أو مستوى الالتزام بإجراءات السلامة، حيث يرجع ذلك إلى عدم توافر أدوات تقنية قادرة على رصد هذه السلوكيات بشكل مباشر ودقيق. وبدلًا من قياس السلوك، لجأت شركات التأمين إلى مؤشرات غير مباشرة وافتراضات عامة، ما أدى في كثير من الأحيان إلى تسعير لا يعكس الخطر الحقيقي لكل فرد.

فجوة المعلومات والتحدي الاكتواري

هذا القصور أفرز ما يُعرف بعدم تماثل المعلومات بين شركة التأمين والعميل، وهو ما يظهر في صورتين رئيسيتين: 
الأولى، الاختيار السلبي، حين يمتلك العميل معلومات عن مستوى مخاطره لا تفصح عنها شركة التأمين.
والثانية، الخطر المعنوي، حيث يتغير سلوك المؤمن عليه بعد الحصول على التغطية، فيقل التزامه بإجراءات الوقاية.

ورغم محاولات شركات التأمين الحد من هذه الظواهر عبر تحليل البيانات التاريخية وفرض الشروط الجزائية، ظل السلوك عنصرًا متغيرًا يصعب التحكم فيه أو التنبؤ به بدقة.

ثلاث قوى تقود التغيير

خلال السنوات الأخيرة، واجهت النماذج التقليدية للتأمين ضغوطًا متزايدة نتيجة ثلاثة عوامل رئيسية:

الاعتراض المجتمعي والتنظيمي على معايير التسعير
حيث بات يُنظر إلى بعض عوامل التصنيف على أنها تمييزية، حتى وإن كانت مبررة إحصائيًا، ما دفع المشرعين في عدة دول إلى تقييد استخدامها.

تغير توقعات العملاء
فالأجيال الجديدة تطالب بمنتجات تأمينية مرنة، وتفضل دفع تكلفة المخاطر التي تتسبب فيها فقط، مع توقع مكافأة السلوك الإيجابي بدلًا من تحميلها أعباء سلوكيات الآخرين.

الطفرة التكنولوجية
إذ أتاحت أجهزة التتبع، والهواتف الذكية، وأجهزة الاستشعار، إمكانية جمع بيانات دقيقة وفورية عن سلوك العملاء، وهو ما قلّص فجوة المعلومات وفتح الباب أمام نماذج تسعير جديدة.

التأمين القائم على السلوك: النموذج الجديد

يقوم التأمين القائم على السلوك (Behavior-Based Insurance) على ربط القسط التأميني بالسلوك الفعلي للمؤمن عليه، بدلًا من الاعتماد على افتراضات عامة. ويظهر هذا النموذج بوضوح في تأمين السيارات عبر متابعة أسلوب القيادة، وفي التأمين الصحي من خلال رصد أنماط الحياة، وكذلك في تأمين المنازل باستخدام الأجهزة الذكية.

ويتيح هذا النهج لشركات التأمين التدخل الوقائي قبل وقوع الخطر، سواء عبر مكافأة السلوك الآمن بتخفيض الأقساط، أو تصحيح السلوك الخطر بإجراءات تنبيه أو تعديل الأسعار. كما يُنظر إليه باعتباره أكثر عدالة، لأنه يحمل كل فرد مسؤولية قراراته وسلوكياته.

تحديات أخلاقية وتشغيلية

ورغم المزايا، يواجه التأمين القائم على السلوك تحديات جوهرية، أبرزها ارتفاع تكلفة جمع وتحليل البيانات، واحتمال عدم استقرار الأقساط نتيجة تغير السلوك المستمر، فضلًا عن المخاوف المرتبطة بالخصوصية واستخدام البيانات.

كما يثير هذا النموذج تساؤلات أخلاقية حول حدود مراقبة السلوك، وإمكانية معاقبة العملاء على أنماط لم يكونوا واعين بها، إضافة إلى مخاطر الاعتماد المفرط على خوارزميات قد تفتقر للشفافية.

مستقبل مفتوح… بشروط

تشير التقديرات إلى أن التأمين القائم على السلوك لن يحل محل النماذج التقليدية بالكامل، بل سيعمل جنبًا إلى جنب معها، ضمن منظومة تسعير أكثر مرونة وتكيفًا مع التغيرات السلوكية. ومع ذلك، فإن نجاح هذا النموذج يتوقف على وجود أطر تنظيمية واضحة، ونظم قوية لحوكمة البيانات، تضمن حماية الخصوصية وعدم التمييز.

رؤية اتحاد شركات التأمين المصرية

وفي هذا السياق، يرى اتحاد شركات التأمين المصرية أن التأمين القائم على السلوك يمثل فرصة حقيقية لتحسين كفاءة التسعير وتعزيز العدالة والشفافية داخل السوق، شريطة تطبيقه في إطار من الحوكمة الرشيدة وحماية البيانات الشخصية.

ويؤكد الاتحاد أن عدالة التسعير لا تقتصر على دقة الحسابات، بل تمتد إلى وضوح المعايير ومشروعية استخدام البيانات، مشددًا على أهمية التعاون بين شركات التأمين والجهات التنظيمية ومقدمي التكنولوجيا لتبني هذا النموذج بصورة تدريجية ومتوازنة، بما يحافظ على الدور الاجتماعي للتأمين كأداة للتكافل وإدارة المخاطر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء