يشهد إقليم البحر الأحمر خلال الأسابيع الأخيرة حراكًا سياسيًا ودبلوماسيًا لافتًا، تتقاطع فيه ملفات الحرب والسلام، وأمن الممرات البحرية، وإعادة التموضع الإقليمي في ظل تصاعد الاستقطاب الدولي.
هذا الحراك المكثف من حيث التوقيت والدلالات يطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان مشهد البحر الأحمر يُعاد رسمه، وما إذا كان الأمن أصبح أولوية على الاقتصاد والاستثمار، وأين يقف السودان من هذه المعادلة المعقدة.
القاهرة.. فاعل استقرار
يبرز الدور المصري كعامل توازني يسعى لاحتواء التوتر لا تصعيده، فمصر بحكم موقعها الجغرافي وإشرافها على المدخل الشمالي للبحر الأحمر عبر قناة السويس، تعتبر أمن هذا الإقليم امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، وليس ساحة للمغامرات الجيوسياسية.
لقد تعاملت القاهرة مع ملف البحر الأحمر من زاوية شمولية تربط بين استقرار السودان، وأمن الملاحة الدولية، ومنع تدويل الصراعات المحلية أو تحويلها إلى ساحات صراع بالوكالة، لذا يندرج التنسيق المصري السعودي المكثف ضمن مسعى لضبط الإيقاع الإقليمي ومنع إعادة إنتاج الاستقطابات الحادة.
من فضاء اقتصادي إلى أولوية أمنية
ولطالما كان البحر الأحمر ساحة تنافس اقتصادي مفتوحة (موانئ، طاقة، معادن، وسلاسل إمداد عالمية)، غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى تحوّل نسبي في ترتيب الأولويات، حيث يتقدم هاجس الأمن البحري على أجندة الاستثمار والتنمية.
وفي هذا السياق، تؤكد قراءة الوقائع ـ بخلاف المقاربات الضيقة ـ أن الأمن المستدام لا يمكن فصله عن الحلول السياسية، خصوصًا في السودان، وأن معالجة جذور الصراع تبقى الضمانة الوحيدة لحماية الممرات البحرية على المدى البعيد.
السعودية ومصر.. تنسيق مستمر
بوصفها الفاعل الأثقل على الضفة الغربية للبحر الأحمر، تقود السعودية جهودًا واضحة لضبط أمن الإقليم، منطلقة من نظرتها لأي تغيير في موازين النفوذ على الضفة الأفريقية ـ خصوصًا في السودان وإريتريا ـ باعتباره مسألة أمن قومي مباشر.
وفي المقابل، لا يقوم هذا الدور في فراغ، بل يتكامل مع المقاربة المصرية التي تميل للعمل الجماعي وتجنب عسكرة البحر الأحمر أو تحويله إلى مجال نفوذ مغلق.
زيارة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي إلى الرياض، والتشاور المستمر مع القاهرة، يعكسان هذا التنسيق الثنائي السياسي والأمني الذي يسعى إلى منع انزلاق البحر الأحمر إلى صراع مفتوح أو بالوكالة، مع الحفاظ على توازن دقيق بين الأمن والسياسة.
السودان بين الشراكة والشرعنة
في خضم هذا الحراك واستمرار الحرب، تسعى الحكومة السودانية لتقديم نفسها شريكًا أمنيًا ضروريًا في معادلة البحر الأحمر، وتعزيز موقفها التفاوضي، وتطمح في الحصول على شرعنة سياسية. تقديم "الأمن" كورقة اعتماد في هذه المرحلة قد يكون أكثر إغراءً للشركاء الإقليميين، وأعلى أهمية من وعود الاستثمار في الطاقة والمعادن.
وهو رهان محفوف بالمخاطر، إذ ترى المقاربة الواقعية المحلية والإقليمية والدولية أن إنهاء الحرب ورسم المسار السياسي الشامل هما الشرط الأساسي لأي شراكة مستدامة، وترفض اختزال السودان في وظيفة أمنية مؤقتة لأنها قد تعمّق الأزمة بدل حلها.
منبر جدة.. القاهرة حاضرة في الخلفية
تطرح كثافة التحركات تساؤلات حول مصير منبر جدة؛ هل سيُعاد إحياؤه بصيغة منفصلة أم يُدمج ضمن إطار أوسع مثل "الرباعية" أو ترتيبات إقليمية جديدة؟ المؤشرات توحي بأن القاهرة بالتنسيق مع الرياض تدفع نحو مقاربة أكثر شمولًا تربط بين وقف الحرب، وأمن البحر الأحمر، وضبط التدخلات الإقليمية، مع التأكيد على ضرورة توسيع قاعدة العملية السياسية السودانية وعدم حصرها في تفاهمات أمنية قصيرة المدى. نجاح هذه المساعي مرهون بمدى استعداد الأطراف السودانية للانخراط في العملية السلمية وعدم مواصلة تكتيكات كسب الوقت.
الرهان المستقبلي
في المدى القريب، يُتوقع استمرار الحراك الدبلوماسي مع التركيز على التنسيق الأمني واحتواء التمددات الإقليمية المثيرة للقلق، والضغط – ولو بشكل غير معلن – باتجاه مسار سياسي في السودان.
أما على المدى الأبعد، فالرهان الحقيقي يبقى في تحويل أمن البحر الأحمر إلى مدخل ورافعة لإنهاء الحرب وبناء الاستقرار في السودان، لا إلى غطاء لإدارة الأزمة دون حلها.
اللحظة المفصلية
ما يجري الآن يؤكد أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر مائي، بل أصبح ساحة لإعادة تعريف مفاهيم الأمن والاستقرار في الإقليم، ومركز صراع الإرادات. والسودان، بحكم موقعه الجغرافي والظرف الراهن، يقف في قلب هذا المشهد المتحول. في هذه اللحظة المفصلية، يبرز الدور المصري كعامل توازن يسعى إلى حماية الملاحة الدولية، ودعم استقرار السودان، ومنع انزلاق البحر الأحمر إلى صراعات مفتوحة.
بين تحديات إدارة الأزمة وبناء الاستقرار، يبقى السؤال: هل سينجح الدور المصري بالتكامل مع الجهد السعودي في تحويل المشهد المتحوّل إلى فرصة لإنتاج استقرار حقيقي، أم سيظل محكوماً بإدارة الأزمات؟