لعله من المستغرب أن يكون مقالي هذا الأسبوع عن موضوع الثأر، علما بأنه من الموضوعات التي قتلت بحثا وتحليلا وسردا على مدى أعوام طويلة، وكان من الطبيعي أن يتزامن حديثي مع نهايات العام الحالي واستقبال العام الجديد، أو على الأقل أن يتناول إحدى القضايا الداخلية التي أحرص دائما على الاهتمام بها.
غير أن تناولي لهذا الموضوع اليوم جاء نتيجة حدث حقيقي كنت أتابعه، تمثل في خصومة ثأرية استمرت عدة سنوات بين أبناء عمومة من عائلتين بقرية الأوسط قامولا، مركز نقادة، بمحافظة قنا التي أتشرف بالانتماء إليها، إلى أن تمكنت اللجنة العليا للمصالحات بالأزهر الشريف من إنهائها، لتطوي بذلك سنوات من الصراع وتغلق صفحة مظلمة من صفحات إراقة الدماء، نتيجة معتقدات ومفاهيم أرى أن الزمن والتطور الذي نعيشه لم يعد قابلا لها، بل بات ينظر إليها كجرائم يجب أن يعاقب مرتكبوها أيا كانت أسبابها أو مبرراتها.
والواقع أن من يرتكب جريمة الثأر تكون لديه قناعة بأنه ينفذ حق القصاص الوارد في القرآن الكريم، رغم الفارق الكبير بين المفهومين. فالثأر هو مفهوم قبلي أو عرفي يهدف إلى تحقيق الانتقام دون حكم قضائي، وهو ما يؤدي إلى سلسلة من الانتقامات والصراعات بين العائلات أو القبائل، دون مراعاة لمبدأي العدل أو المساواة.
أما القصاص فهو عقوبة منصوص عليها في الشريعة الإسلامية، تقوم على مبدأ «العين بالعين» في حالات القتل العمد أو الإيذاء الجسدي، ويتم تطبيقه بناء على حكم قضائي يهدف إلى تحقيق العدالة وإنصاف الضحية أو ذويها، مع مراعاة مبدأي العدل والمساواة. ومن هنا، فإن القصاص يسعى إلى إنهاء الصراع، بينما يفتح الثأر أبوابا لا تنتهي من العنف والانتقام.
ورغم التراجع الملحوظ في معدلات جرائم الثأر، ما زلنا نسمع بين الحين والآخر عن جرائم تقع هنا أو هناك نتيجة استمرار روح العصبية القبلية، بل إن البعض لا يزال يعتبرها مظهرا من مظاهر الوجاهة الاجتماعية ومدعاة للفخر بين بعض القبائل، وهو فهم مغلوط وخطير.
وعلى الرغم من أن لعنة الثأر تنتشر بدرجة أكبر في صعيد مصر، فإن نزوح بعض أبناء تلك المحافظات إلى الوجه البحري أو القاهرة والجيزة أسهم في انتقال بعض هذه الجرائم إلى تلك المناطق، تأكيدا لحقيقة أن المجتمعات لا تتغير إلا بتغير القناعات. ومن هنا، فإن الحلول الأمنية وحدها لا تكفي للقضاء على هذه الجرائم، كما أن الحلول العرفية قد تفشل أحيانا، بل وقد تسهم في تجدد الخصومات، نتيجة ما يمارس خلالها من ضغوط على أهل القتيل لقبول الصلح دون رضا حقيقي، مما يجعل بعض المصالحات مجرد اتفاقات إعلامية شكلية.
ومع ذلك، أستطيع أن أجزم بوجود تراجع ملموس في جرائم الثأر، نتيجة مجموعة من الإجراءات التي اتخذتها أجهزة الدولة المختلفة، إلى جانب ارتفاع مستوى الوعي والثقافة بين أبناء الصعيد، خاصة بعد انتشار الجامعات والمؤسسات المعنية بنشر ثقافة التسامح. ويأتي في مقدمتها فروع المجلس القومي للمرأة، التي تسعى للتعامل مع المرأة الصعيدية، لما لها من دور مؤثر أحيانا في التحريض على الأخذ بالثأر. فضلا عن ذلك، كان لتفعيل سيادة القانون وسرعة ضبط المتهمين وإصدار الأحكام الرادعة أثر بالغ في وأد الفتن الناتجة عن هذه الجرائم.
وعودة إلى ما بدأنا به، فإن اللجنة العليا للمصالحات، التي شكلت بتكليف من فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، تؤدي دورا وطنيا وإنسانيا رفيعا في إنهاء الخصومات الثأرية بين أبناء الصعيد وغيرهم. وقد نجحت مؤخرا في تحقيق الصلح بين العائلتين بمحافظة قنا، بمساندة عقلاء الطرفين، وحرصهم على فتح صفحة جديدة قائمة على الإيمان بأن الصلح نهج راسخ من مناهج الصالحين والمصلحين، لما يتطلبه من سمو أخلاقي وضبط للنفس وتغليب لقيم العفو والتسامح. وقد شهدت ساحة شيخنا الطيب أجواء من البهجة والرضا عقب إعلان الصلح، وسط دعوات صادقة للم الشمل وقتل الفتن ونزع بذور الغل والكراهية.
إن المفهوم الحقيقي للتسامح والصلح داخل مجتمعاتنا يمثل قمة الحكمة ودليل قوة العقل ورجاحة الرأي، ومن يقدم على هذه الخطوة إنما يحفظ الوطن من الانقسام، ويحمي المجتمع من الانزلاق في دوائر لا تنتهي من العنف والدمار. فالصلح يحقن الدماء، ويصون الكرامة، ويحمي الأبناء، ويعيد الاستقرار، ويفتح أبواب المستقبل أمام الأجيال القادمة.
ولعل أمنيتي، وأنا من أبناء الصعيد، أن يحل علينا العام الجديد وقد تخلصنا من هذه الموروثات والعادات، وأن يتوشح صعيدنا السعيد بقيم الرفعة والسمو والعزة والرشد.