محمد المهدي: التعلق المرضي بالأبناء يمنعهم من النمو النفسي الطبيعي|فيديو
أكد الدكتور محمد المهدي، الاستشاري النفسي، أن بعض الأسر تمارس أنماطًا من التربية بدافع الحب، لكنها في حقيقتها تُلحق أذى نفسيًا عميقًا بالأبناء، موضحًا أن هناك آباء وأمهات لا يرغبون في أن يكبر أولادهم أو يستقلوا بحياتهم، مضيفًا أن بعضهم يعبر صراحة عن رغبته في إيقاف الزمن، حتى يظل الأبناء أطفالًا معتمدين عليهم بشكل كامل، وهذا السلوك، رغم أنه يُمارس باسم الحب والخوف على الأبناء، يؤدي إلى ما يُعرف بالتعلق المرضي، حيث يمنع الطفل من النمو النفسي الطبيعي، ويحرمه من اكتساب مهارات الاستقلال واتخاذ القرار، ما ينعكس سلبًا على شخصيته في مراحل لاحقة من العمر.
التعلق الآمن أساس صحي للطفل
وأضاف المهدي، خلال لقاء على شاشة CBC، أن علم النفس يميز بين التعلق الآمن والتعلق غير الآمن، موضحًا أن التعلق الآمن، يسمح للطفل بأن يكون مرتبطًا عاطفيًا بوالديه، دون أن يفقد قدرته على الاستقلال، ففي هذا النموذج، لا تنقطع العلاقة العاطفية بين الطفل ووالديه، لكنها تتطور بشكل صحي يسمح له بأن يكبر، ويكون جناحيه، وينطلق في الحياة بثقة، مؤكدًا أن الطفل في حالة التعلق الآمن يشعر بالأمان، ويثق في وجود الدعم عند الحاجة، ما يجعله أكثر قدرة على التفاعل الاجتماعي، وبناء علاقات مستقرة، واتخاذ قرارات متزنة في المستقبل.
وتطرق الدكتور محمد المهدي، إلى نظرية التعلق التي وضعها عالم النفس البريطاني جون بولبي في خمسينيات القرن الماضي، والتي تؤكد أن أنماط التعلق في الطفولة المبكرة تؤثر تأثيرًا عميقًا على الشخصية والعلاقات الإنسانية في مراحل الشباب والرشد، موضحًا أن كثيرًا من الاضطرابات السلوكية، مثل الفشل في العلاقات، أو كثرة الصراعات، أو التنقل المستمر بين الوظائف، قد تكون نتيجة نماذج تعلق غير سليمة في الطفولة، مضيفًا أن تلميذة بولبي، الباحثة ماري أينسورث، طورت هذه النظرية من خلال تجارب عملية، كشفت بوضوح الفروق بين أنماط التعلق المختلفة لدى الأطفال.
تجربة الغرفة الغريبة
وأوضح أن تجربة الغرفة الغريبة التي أجرتها ماري أينسورث، كشفت أن الطفل ذو التعلق الآمن يهدأ سريعًا عند عودة أمه بعد غيابها، ويستعيد شعوره بالأمان ويواصل اللعب، أما الطفل ذو التعلق غير الآمن، وخاصة التعلق المتشبث، فيظل في حالة بكاء واضطراب حتى بعد عودة الأم، لأنه لا يشعر بالأمان الداخلي، مشيرًا إلى أن هذا النمط ينشأ غالبًا نتيجة رعاية غير مستقرة، حيث يكون القرب والاستجابة والاهتمام متقلبين، مما يدفع الطفل للتشبث المفرط خوفًا من فقدان مصدر الأمان.
وتحدث الاستشاري النفسي، عن نمط آخر هو التعلق القلق المتجنب، والذي ينشأ نتيجة الإهمال العاطفي، ففي هذه الحالة، لا تكون الأم أو الأب قريبين أو متاحين أو مستجيبين لاحتياجات الطفل، فيفقد الأمل في الحصول على الدعم، ليس فقط من الوالدين، بل من العالم كله، موضحًا أن هذا الطفل قد يبدو باردًا انفعاليًا، ويميل إلى العزلة، ويجد صعوبة في تكوين علاقات اجتماعية، سواء في الطفولة أو عند البلوغ، ما يؤثر على حياته العاطفية والزوجية لاحقًا.
التعلق غير المنتظم
وأشار الدكتور محمد المهدي، إلى أخطر أنماط التعلق، وهو التعلق غير المنتظم، الذي يظهر لدى الأطفال الذين تعرضوا لإساءات جسدية أو نفسية أو جنسية أو لفظية، موضحًا أن هؤلاء الأطفال يعيشون حالة من الارتباك الشديد، فلا يعرفون إن كان من حولهم مصدر أمان أم تهديد، ما ينعكس على سلوكيات متناقضة وغير متوقعة، وهذا النمط لا يخضع لقواعد واضحة، ويؤدي إلى اضطرابات نفسية عميقة ما لم يتم التدخل العلاجي المبكر.
وشدد على أن الإنسان لا يكبر أبدًا على التغيير، مؤكدًا أن الآباء الذين نشأوا هم أنفسهم بأنماط تعلق غير آمنة قد يواجهون صعوبة في تربية أبنائهم بشكل صحي، لكن الوعي بالمشكلة هو الخطوة الأولى نحو العلاج، لافتًا إلى أهمية وجود منهج واعٍ في التربية، يوازن بين الحب والدعم، وبين تعليم الأبناء مهارات الاستقلال، مشددًا على أن الآباء ليسوا دائمين في حياة أولادهم، وأن الأمان الحقيقي ينبع من بناء شخصية قادرة على مواجهة الحياة بثقة، لا من التعلق المرضي بالوالدين.

