حبايب الست2.. قهوة أم كلثوم.. ذاكرة وطن!
تختلط حكايات القاهرة القديمة بدخان المقاهي وصوت "أم كلثوم" كأحد الشواهد الحية على سحر المدينة وذاكرتها الفنية وثرائها الغنائي.
في شارع عرابي بوسط العاصمة وجد أول مقهى حمل اسم سيدة الغناء العربي أم كلثوم، وهو ليس مجرد مكان لشرب القهوة، بل مساحة زمنية مفتوحة، يعود فيها الزائر طواعية إلى عصر كانت فيه الأغنية حدثا، والاستماع حالة والانصات احتراماً والصوت مكانة.
" قهوة أم كلثوم" هو اسم مكرر في أكثر من مكان، في القاهرة وخارجها، لكن الأشهر هو ذلك المقهى الواقع في شارع عرابي وتعود نشأة هذا المقهى إلى عام 1945، حين أسسه شريكان يونانيان، "جورجي " و" شيسان" تحت اسم "مقهى وبار التوفيقية".
ظل المكان عادياً في مظهره، يؤدي وظيفته اليومية مثل عشرات المقاهي المنتشرة حوله، إلى أن وقعت اللحظة الفارقة في عام 1948.
تقول الرواية، إن سيدة الغناء أم كلثوم كانت عائدة من بروفة في دار الأوبرا "القديمة" وتوقفت لتشرب فنجان قهوة في هذا المكان، بالقطع انقلب المكان رأسا على عقب وانتهز صاحب المقهى آنذاك، الحاج عبدالعزيز طه الفرصة، واعتبر الزيارة بركة نادرة، وطلب من "الست" الإذن بإطلاق اسمها على المقهى، فوافقت لتبدأ مرحلة جديدة في عمر المكان، وتغير الاسم رسميا عام 1951 حين تغير الاسم إلى "مقهى أم كلثوم".
ومنذ ذلك التاريخ لم يعد المقهى مجرد محل لتقديم المشروبات، بل تحول إلى ما يشبه "متحف شعبي تُعلّق على جدرانه صور "الست" النادرة وتُعرض تذاكر حفلاتها التاريخية ، ولكن لا يُسمح بأن يعلو فيه صوت فوق صوت أم كلثوم وإلى الآن.
لم يقتصر "حبايب الست" عند منطقة وسط البلد، ففي خان الخليلي، يوجد مقهى آخر يحمل اسمها، ويطل على أجواء القاهرة الفاطمية، وتزينه جدارية ضخمة لوجهها منفذة بالموزاييك، هناك، يلتقي صوت أم كلثوم مع حركة السياح، في تجربة تجمع بين التاريخ والفن المصري.
وفي أقصى الجنوب، في سوق الأقصر السياحي، يظهر اسمها مجددا على مقهى يعود تاريخه لأكثر من 80 عاما، أسسه أحد عشاقها، ويدعى "يوسف قاسم" الذي ورث حبها عن والده وحافظ على الاسم وطقوس وقواعد المقهى رغم أن رواده أغلبهم من السياح الأجانب ولكنه دليل إضافي على أن ظاهرة أم كلثوم لم تتوقف بلد أو فئة أو حتى جنسية محددة بل امتدت من الشمال إلى الجنوب، ومن المصريين والعرب للأجانب.
رواد مقهى أم كلثوم بوسط القاهرة لا يذهبون إليه لنزهة أو قعدة عابرة، بل يبحثون عن طقس كامل للاستماع يعود بهم لعصر من الغناء كانت بطلته أم كلثوم.
فالمكان يوفر تسجيلات نادرة وحفلات كاملة قد لا تُبث في الإذاعات العامة، وتخضع الجلسة لقواعد غير مكتوبة، أماكن يجلس فيها "السمّيعة" القدامى وصمت شبه تام بمجرد أن يبدأ الغناء، كأن الصوت يفرض هيبته على الجميع، هذا ما سوف تلاحظه بمجرد أن تطأ قدماك مقهى أم كلثوم سوف تشعر أنك عبرت بوابة زمنية أعادتك إلى خمسينيات القرن الماضي، الجدران ممتلئة بصور "الست" في كل مراحلها، وهي طفلة بالعقال وسيدة تقف إلى جوار الملوك والرؤساء، وفنانة خلف الكواليس تراجع النوتة الموسيقية مع القصبجي أو السنباطي.
وفي صدر المقهى، تتصدر لوحة زيتية كبيرة ملامحها المهيبة، ينظر إليها الرواد باعتبارها "عين المكان" التي تفرض الوقار والإنصات، وتذكر الجميع بأنهم ضيوف على ذاكرة لا يجوز العبث بها.