هذا العالم يسحق العدل بحقارة كل يوم، هكذا خبرنا القصاص الفلسطيني غسان كنفاني، ولعل ما قام به الرئيس الأمريكي ترامب باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يفوق ما قاله "كنفاني" ويعود بنا إلى عصور سحيقة حيث شريعة الغاب.
البراجماتية الأمريكية هي نهج لا يحيد عنه أبداً الرؤساء الأمريكيون، باختلاف مشاربهم وتوجهاتهم السياسية سواء كانوا ديمقراطيين أو جمهوريين، فكلهم يربطهم حبل سري واحد، وشربوا ورضعوا من لبن المصلحة قبل القيم، ولم يختلف ترامب كثيراً عن نهج الآباء السابقين من الجمهوريين وهو ما فعله بوش الأب، عندما اعتقل رئيس بنما السابق مانويل نورييغا، وما فعله بوش الابن، عندما أعدم الرئيس العراقي صدام حسين.
الحقيقة أن الصراع الأمريكي الفنزويلي ليس صراعاً على تجارة مخدرات، بل هو صراع سياسي بطعم الاقتصاد، فأمريكا تريد السيطرة على الموارد؛ إذ إن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم يُقدَّر بنحو 303 مليارات برميل، أي ما يعادل 17 إلى 20% من الاحتياطي العالمي، إلى جانب احتياطيات غاز طبيعي تتجاوز 200 تريليون قدم مكعب، وموارد معدنية إستراتيجية. كما أن موقعها في بحر الكاريبي قرب السواحل الأمريكية والممرات البحرية الدولية يجعلها منطقة ذات أهمية جيوسياسية بالغة الأهمية.
الصراحة تقتضي القول إن الوقاحة الأمريكية فاقت كل الحدود، والتدخل السافر في الشئون الداخلية للدول أصبح جزءاً أصيلاً من السياسة الخارجية الأمريكية، في مشهد يعيدنا إلى سياسة الاستعمار وأجواء ما قبل الحرب العالمية الأولى.
المشهد يبدو مخيفاً، ونجحت الولايات المتحدة الأمريكية في أن تصل بالعالم إلى لحظة الكفر بمقولة الشرعية الدولية، والتي سقطت في بحور سحيقة ليس أولها البحر الكاريبي، بل سقطت في بحر غزة عندما صمتت ومعها حلفاؤها الذين وقفوا يشاهدون شلالات الدماء المتدفقة من غزة جراء حرب الإبادة الإسرائيلية، لتسقط ورقة التوت عن تشدقات قيم خادعة يروجها عالم غربي منافق، وكشفت عورات نظام دولي بات "دمية" يلهو بها حفنة من البلطجية تسمى كذباً دولاً، تتحكم في مصائر شعوب، ترفع شعار "حسب المزاج" وتسن قانون "البلطجة هي الحل" في التعاطي مع الأزمات الدولية، ولعل الحرب الوحشية التي دارت رحاها في غزة نموذج حي على أن الضمير الغربي مات وقيم العدالة سقطت في بحور سحيقة.
والسؤال ماذا فعلت فنزويلا لكى يتم اعتقال رئيسها؟ والاجابة تقول إن فنزويلا لم ترتكب ما ارتكبته إسرائيل من مجازر ولم تعتدِ أو تسفك دماء أحد، لكن من يمسك ميزان العدالة عصابة تسمى نفسها زوراً دولاً معهم حق الفيتو قادرون على سحق أحلام الشعوب برفع أيديهم للاعتراض على أي قرار.
التاريخ يقول إن حماية أمن إسرائيل متجذرة في مراكز صنع القرار الغربي، باعتبارها دولة وظيفية تخدم مصالح استراتيجية للغرب في منطقة الشرق الأوسط، مقابل حمايته لها سياسياً واقتصادياً وعسكرياً من الأشرار العرب، هكذا قانونهم وعقيدتهم، بينما تشكل فنزويلا محور الشر الشرقي المناوئ للمصالح الأمريكية والغربية لذلك كان لابد من القضاء على كل من يقول لأمريكا "لا".
الواقع يقول إننا نشهد فصلاً آخر من سياسة فرض العضلات والذي أضحى جلياً لكل من يخالف أوامر السيد الأمريكي، ومصيره إرسال حاملات طائرات وبوارج حربية، والويل العظيم مصير من ينطق بالحق. لقد سقط العدل أمام براجماتية السياسة ودبلوماسية المصالح، ووصل الفجر الأمريكي إلى اعتقال رئيس أمام صمت مريب ومجرد بيانات تنديدات، فالوقاحة الأمريكية وصلت إلى أقصى مداها.
اعتقال الرئيس الفنزويلي كشف عورات قيم الغرب، التي صدعتنا بالشعارات الإنسانية، وأثبتت أنها دول قمعية، وتثبت أننا نعيش مرحلة مخاض عسيرة، وتحولات متسارعة تمهد لولادة خرائط جغرافيا جديدة، ممزوجة بلون الدماء تنسف معها حدود جغرافيا "سايكس بيكو"، فما بين فوضى منظمة ومستقبل مخيف، يترقب العالم المجهول الذي يطبخ على نار هادئة، في غرف عمليات عواصم الشر، تحت أعين أجهزة مخابرات تهندس مشهد ولادة خرائط الدم.