جاء إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتقال الرئيس الفنزويلي تيودور مادورو وزوجته ونقلهما خارج الأراضي الفنزويلية عقب هجمات عسكرية شنتها واشنطن ضد نظام الرئيس الفنزويلي ليكون بمثابة إعلان الوفاة الرسمية لما يسمي زورًا الشرعية الدولية والقانون الدولي.
وفق وكالات أنباء فإن عملية اعتقال مادورو تمت بسرعة كبيرة، وبعد ساعات فقط من بدء الضربات الجوية للعاصمة كراكاس ومنشآت حيوية أخرى.
رغم كل التحفظات على مادورو فإن اعتقال رئيس مازال في السلطة يمتلك ما يعرف بالشرعية الدستورية والحصانة الدولية أمر لا يمكن قبوله لأنه ترسيخ لنظرية القوة والغطرسة الأمريكية التي تحكم العالم.
البلطجة الأمريكية التي لا تعترف بقانون ولا تؤمن بحدود أو سيادة ليست جديدة، فقد سبقها واقعة مشابهة قبل 36 عاماً، حينما قامت القوات الأمريكية في عهد الرئيس جورج بوش الأب باعتقال رئيس بنما السابق مانويل نورييغا، بعد عملية عسكرية أمريكية عرفت بـ غزو بنما.
رغم التشابه في الواقعتين، فإن الفرق قد يبدو شاسعًا، نظرًا لحجم التباين والتطورات الكبيرة التي شهدها العالم خلال الفترة من غزو بنما وحتى هجوم كاركاس.
على مدار 36 عاماً، شهد العالم تطورات كبيرة على المستوى الدولي والإقليمي، وتحولات في السياسة الدولية ودور المنظمات الأممية، أحاديث لا تتوقف عن حقوق الإنسان والمجتمع الدولي وسيادة الدول إلى غير ذلك من المصطلحات التي تتردد يومياً عبر العواصم الغربية والمنظمات الدولية.
36 عاماً من الكذب والخداع العالمي والأحاديث المنمقة حول القانون والسيادة وحقوق الإنسان، أكاذيب صنعها الغرب واستخدمها لخدمة مصالحه على مدار عقود، ولكنه سرعان ما ينقلب على تلك المبادئ المطصنعة والأخلاق المزيفة ويكشف عن الوجه الحقيقي عندما تتطلب المصلحة ذلك.
أسقطت عملية كاركاس كل هذه الأكاذيب، فضحت النظام الدولي ورسخت ما نؤمن بوجوده، من عالم لا يعترف سوى بلغة القوة، ونظام دولي لا مكان فيه للضعفاء، دماء لا قيمة لها طالما الضحايا ليسوا غربيين، حقوق من السهل انتهاكها في سبيل خدمة المصلحة العليا للبلطجي الأمريكي.
ربما يربط البعض بين واقعة اعتقال مادورو واعتقال الرئيس العراقي السابق صدام حسين ولكني أعتقد أن ما حدث مع الرئيس الفنزويلي أخطر بكثير وربما يمثل سابقة خطيرة في التعامل مع الرؤساء المعارضين للسياسة الأمريكية، حيث إن عملية استهداف مادورو تمت بإرادة أمريكية منفردة، وتم نقله داخل الأراضي الأمريكية ليخضع لمحاكمة عاجلة وفق القانون الأمريكي في واقعة غير مسبوقة.
في حين أن عملية الهجوم الأمريكي على العراق، وإسقاط نظام صدام حسين تم ضمن تحالف دولي، وتم اعتقال الرئيس العراقي ومحاكمته داخل الأراضي العراقية من جانب قضاة عراقيين.
ومهما كانت التحفظات على ما تعرض له الرئيس العراقي صدام حسين فإن عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي ومحاكمته في نيويورك يُعد أمراً غير مسبوق ويشرعن لنظرية الشوارعية الدولية التي تمنح واشنطن الحق في التدخل العسكري المباشر ضد كل من يخالف سياستها أو يهدد مصالحها حتى لو كان هذا التهديد دفاعاً عن سيادة الدول وحماية أراضيها.
شخصياً لست مستغرباً لما حدث، استغرابي فقط من استغراب البعض من هذه الهمجية أو البلطجة الأمريكية.
ترامب قدم خدمة جليلة للعالم عندما كشف عن وجه أمريكا القبيح ونظرتها تجاه سيادة الدول وحصانة الرؤساء، مهما كانت علاقتك بواشنطن فأنت في خطر ولا أحد في مأمن من الغدر الأمريكي.
أتمني أن يقتنع الجميع بعد واقعة مادورو بأن البقاء للأقوى فقط، وأن لا مجال لفكرة المفاوضات الدولية عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي، وأن الحديث عن حلول سياسية لأزمات تحلها القوة مجرد أكاذيب لا علاقة لها بالواقع.
على الجميع أن يدرك أن العالم لا يحكمه القانون الدولي ولا المنظمات الأممية بل تحكمه نظرية البلطجية وشريعة الشوارعية الدولية.