مثل الطب المصري القديم نموذجاً متكاملاً متقدماً يجمع بين الملاحظة التجريبية والمعرفة العلمية، وسبق العالم في هذا المضمار بالآلاف السنين، وتقدم البرديات الطبية في مصر القديمة أدلة وافية على مثل هذا التقدم المعقد في هذه الحضارة - الأعظم في تاريخ البشرية - الحضارة المصرية ومنها برديات لاهون، وإيبرس، وإدوين سميث وهيرست و برلين وبروكلين - والتي يمتد تاريخ تدوينها من الأسرة الثانية عشرة والتي بدأت حوالي 1985 ق.م حتى الأسرة الثلاثين والتي امتدت تقريباً من 380 إلى 343 ق.م.
تعد بردية لاهون الطبية، والمعروفة أيضاً باسم بردية كاهون النسائية، أقدم نص طبي في العالم. ويعود تاريخها إلى حوالي 2100-1900 ق.م، والتي اكتشفها عالم المصريات فلندرز بتري عام 1889 في مدينة اللاهون بالفيوم بمصر، وهي محفوظة حالياً في متحف بتري للآثار المصرية في لندن تتكون هذه الوثيقة المكونة من ثلاث صفحات من 34 فقرة منفصلة، وتمثل أقدم الحالات المسجلة للتخصص الطبي، إذ تركز حصرياً على أمراض النساء والخصوبة.
كل فقرة من البردية تعالج مشكلة طبية محددة، تليها ملاحظات تشخيصية وطرق علاجية غير جراحية تطبق إما خارجياً أو عن طريق الفم، ومن اللافت أن البردية تتضمن سلسلة من الاختبارات التشخيصية التقييم الخصوبة والحمل، بل وحتى محاولات تحديد جنس الجنين إحدى الطرق تقوم على ترطيب حبوب الإمر القمح ثنائي (الحبة والشعير ببول المرأة نمو الحبوب يفسر لتحديد الحمل وجنس المولود.
وطريقة أخرى تتضمن إدخال بصلة إلى المهبل طوال الليل: فإذا شمت رائحتها في فم المرأة صباح اليوم التالي اعتبر ذلك دليلاً على خصوبتها، كما سجلت البردية وسائل مبكرة لمنع الحمل، من بينها استخدام روث التمساح، وتظل هذه الوثيقة مصدراً محورياً لفهم منهج المصريين القدماء في صحة المرأة مجسدة بروتوكولات تشخيصية وعلاجية مبكرة قائمة على المعرفة التجريبية، إلى جانب فهم علمي متقدم لوظائف أعضاء الجسم البشري قبل نحو 4000 سنة - أي سبقت الممارسات العلمية في الحضارات الأخرى بآلاف السنين.
أما بردية ايبرس، والمؤرخة بحوالي 1550 ق.م، فهي تمثل أحد أهم المخطوطات الطبية في مصر القديمة، بطول 20.23 متراً، وتحتوي البردية على أكثر من 850 وصفة علاجية تغطي طيفاً واسعاً من الأمراض مثل الصداع النصفي السكري، أمراض النساء، أمراض الجلد، مشاكل الأسنان والإصابات الجسدية مثل الحروق والكسور.
تجمع البردية بين الممارسات الطبية التجريبية والعلمية مثل استخدام المستحضرات العشبية والمعدنية والتدخلات الجراحية - وبين العناصر الدينية كالتعاويذ والتمائم الواقية، مما يعكس الاندماج الجوهري بين العلم والأمور الروحانية في تلك الحقبة من تاريخ مصر القديم. ومن أبرز محتوياتها "قسم القلب" الذي يقدم فهماً متقدماً للقلب والدورة الدموية - قبل اكتشاف وليام هارفي للدورة الدموية بحوالي 3177 سنة - إذ يصور القلب كمركز للأوعية الدموية ويربط وظيفته بالاضطرابات النفسية كالاكتئاب.
كما تضمنت طرقاً لمنع الحمل وكشف الحمل وعلاج العدوى الطفيلية باستخدام مكونات مثل العسل والسنط، وكذلك إشاراتها إلى "نظرية القنوات" تؤكد أهمية تدفق السوائل في الجسم دون انسداد للحفاظ على الصحة، وهي فكرة سبقت نظرية الأخلاط اليونانية. ورغم أن تركيبتها تبدو غير منظمة - مما يشير إلى تجميعها من مصادر متعددة - تظل بردية إيبرس مصدراً هاماً لدراسة الطب المصري القديم وتأثيره الواضح في تطور الفكر الطبي على مدار العصور.
وبالمثل، تعد بردية إدوين سميت، والتي يرجع تاريخها إلى حوالي 1600 ق.م، مخطوطة طبية مصرية أساسية، تتميز بمنهجيتها العقلانية في علاج الإصابات والجراحة، ويبلغ طولها 4.68 متر وتحتوي على 48 حالة إصابة مرتبة من الرأس إلى أخمص القدمين تتبع كل حالة هيكلاً سريرياً ثابتاً: الفحص التشخيص التنبؤ العلاج - مما يظهر منهجية منطقية متقدمة بشكل مذهل العصرها، كما تركز البردية على الممارسات الطبية التجريبية كتجبير الكسور وخياطة الجروح واستخدام الضمادات اللاصقة، مع تقليل الممارسات الدينية بشكل ملحوظ مقارنة ببردية ايبرس.
وتقدم البردية ملاحظات تشريحية دقيقة عن الجمجمة والدماغ والعمود الفقري، مما يشير إلى فهم مبكر للوظائف العصبية لدي الطبيب المصري القديم. كما توضح البردية التعامل مع حالات الخلع والأورام والالتهابات بعلاجات تتراوح بين الجراحة والمستحضرات العشبية، ويوضح تركيز بردية إدوين سميت على الأعراض القابلة للملاحظة والنتائج المتوقعة يعكس عقلية علمية منطقية، مما يجعل هذه البردية مصدراً محورياً لفهم المعرفة الجراحية المصرية القديمة وتأثيرها الدائم على التقاليد الطبية اللاحقة.
كذلك تعد بردية هيرست الطبية، وهي مخطوطة مصرية قديمة اكتشفت عام 1901 قرب مدنية الأقصر، والتي سميت بهذا الاسم تيمناً بفيبي هيرست راعية الحفريات، وتعود إلى حوالي 2000 ق.م، وتمتد على 18 عموداً، وتحتوي على 260 وصفة طبية تركز بشكل رئيسي على اضطرابات الجهاز البولي وأمراض الدم ومشاكل الشعر وعضات البشر والخنازير وأفراس النهر، وتجمع البردية بين طرق الشفاء التجريبية والروحية مستخدمة مستحضرات نباتية ومركبات معدنية ومنتجات طبيعية مثل العسل إلى جانب التعاويذ الدينية.
ومن الجدير بالذكر أنها وصفت مرض التولاريميا وهي عدوى بكتيرية نادرة لكنها خطيرة، وتعرف أيضًا باسم حمى الأرنب أو حمى (Tularemia) ذيابة الغزال، يسببها ميكروب يسمى Francisella tularensis، ويمكن أن تنتقل إلى الإنسان بطرق متعددة مثل لدغات القراد والذباب، أو ملامسة الحيوانات المصابة (خصوصا الأرانب والقوارض)، أو شرب مياه ملوثة، أو استنشاق غبار ملوث.
كما هناك بردية برلين، وهي نص طبي بارز من الأسرة التاسعة عشرة (1295-1186 ق.م)، وعثر عليها في سقارة واستحضرت إلى متحف برلين عام 1827، وتتألف من 24 صفحة، ومحتواها يشبه إلى حد كبير بردية ايبرس. وتتطرق بردية برلين لموضوعات متعددة تشمل منع الحمل واختبارات الخصوبة وعلاج أمراض العيون والحمل. وكغيرها من النصوص الطبية المصرية القديمة تمزج بين العلاجات التجريبية القائمة على الأعشاب والمعادن وبين الممارسات الروحية.
وتتميز البردية بمعالجتها الشاملة لأمراض النساء، وطرق تشخيص الخصوبة التي تتوافق مع بردية كاهون وبردية كارلسبرغ الثامنة. وتمثل بردية كارلسبرغ الثامنة واحدة من النصوص الطبية القليلة الباقية من مصر القديمة ووجهها الأمامي يركز على أمراض العيون، بينما الوجه الخلفي يعالج تشخيص الولادة - وبالأخص طرق تحديد الحمل وتوقع جنس المولود.
يعود الوجه الأمامي إلى الأسرة الثامنة عشرة ( حوالي 1500 ق.م)، بينما أضيف الوجه الخلفي بعد عدة أجيال حوالي 1400 ق.م. ولقد درس بردية برلين أولاً العالم المصريات الألماني هاينرش بروغش - الرائد في فك رموز الخط الديموطيقي - ثم نشرت عام 1909 على يد عالم المصريات الألماني والتر فريز شينسكي، وتؤكد بردية برلين عمق المعرفة الطبية خلال عصر الدولة الحديثة في مصر القديمة.
أما بردية بروكلين (47.218.2 Papyrus Brooklyn) فهي مخطوطة مصرية قديمة من الأسرة الثلاثين (حوالي 380-343 ق.م)، تركز بشكل أساسي على التسمم وعلاجه. اشتراها تشارلز إدوين ويلبور بين 1881 و 1896، وهي محفوظة في متحف بروكلين منذ 1935، وتسجل البردية علاجات السموم الثعابين والعقارب والعناكب القاتلة، كما تتبع البردية منهجاً منظماً في تحديد الأنواع السامة ووصف مضادات محددة، ومزجت بين العلاجات العشبية العملية والتعاويذ الروحية أحياناً. كما يؤكد تركيزها الفريد على علم السموم على التقدم الطبي المتخصص ويظهر تفاعل المصريين المتقدم مع التهديدات البيئية. والجدير بالذكر أنها أعيد تجميعها من حوالي 600 شظية ونشرت أول مرة عام 1955 على يد وليام هايز عالم المصريات الأمريكي وأمين متحف المتروبوليتان، وستظل تلك البردية مصدراً نادراً ومتخصصاً يسلط الضوء على الأبعاد العملية العلوم السموم المصرية في مجتمع كانت فيه التفاعل مع الحيوانات السامة جزءاً من الحياة اليومية.
وتؤكد هذه البرديات على وجود تأثير أكيد على شخصيات لاحقة مثل جالينوس (129-216 م). الطبيب والفيلسوف اليوناني الأشهر الذي شكل الفكر الطبي في أوروبا وبيزنطة والعالم الإسلامي لأكثر من 1300 سنة. كما تثبت هذه النصوص أن التصورات السابقة التي صورت الطب المصري كمجرد أعمال قائمة على الخرافة والشعوذة كانت خاطئة جذريا بل تكشف تلك البرديات المعرفية المتخصصة عن مستوى عال من المعرفة الطبية والصيدلانية العلمية، مع تطبيق منطقي ومتقدم للعلاجات، مما شكل حجر أساس لتقدم الممارسات الطبية في حضارات الشرق الأدنى مثل حضارة بلاد الرافدين ثم الحضارة اليونانية وبعدها الرومانية، ثم في العالم الإسلامي خلال العصور الوسطى، وأخيراً في أوروبا والعالم الحديث.
لذا ستظل حضارة مصر العظيمة هي الحضارة الأم، وهذا ليس مجرد مقولة بل حقيقة علمية ثابتة.