شهدت مدينة يال أوه التركية، فجر يوم الإثنين 29 ديسمبر، اشتباكات أمنية عنيفة بين قوات الشرطة التركية وعناصر تابعة لتنظيم داعش الإرهابي، تحصنوا داخل منزل في منطقة عصمت باشا.
وأسفرت هذه العملية عن مقتل 3 من أفراد القوات التركية وإصابة 8 آخرين، في حين قتل 6 من عناصر التنظيم.
وأعاد هذا الحادث إلى الواجهة ملف العمليات الإرهابية التي نفذها تنظيم داعش داخل الأراضي التركية خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، والتي شكلت واحدة من أكثر مراحل التهديد الأمني خطورة في تاريخ البلاد الحديث.
وفي هذا السياق، كانت وزارة الداخلية التركية قد أصدرت عام 2017 كتابًا بعنوان "حرب تركيا على "داعش" باللغتين التركية والإنجليزية، تضمن توثيقًا شاملا لنشاط التنظيم داخل تركيا.
ووفقًا لما ورد في الكتاب نفذ داعش عشر عملیات انتحارية، إضافة إلى تفجير واحد بالقنابل وثلاث هجمات مسلحة، أسفرت مجتمعة عن مقتل 304 أشخاص من بينهم عشرة من عناصر الشرطة وجندي واحد من الجيش التركي، فضلا عن إصابة 1338 آخرين، بينهم 62 من الشرطة و 7 من الجيش.
وأشار الكتاب إلى أن تركيا صنفت تنظيم داعش كتنظيم إرهابي رسميا في 30 سبتمبر 2013 لتبدأ بعدها مرحلة من المواجهة الأمنية والاستخباراتية المكثفة.
وتظهر الأحداث أن ذروة العمليات الإرهابية لداعش داخل تركيا تركزت خلال عامي 2015 و 2016، حيث شهدت البلاد سلسلة من الهجمات الدامية.
وكان من أبرزها هجوم سروج في يوليو 2015، الذي أسفر عن مقتل 34 شخصا، تلاه تفجير محطة قطارات أنقرة في أكتوبر من العام نفسه والذي خلف أكثر من 100 قتيل، في واحد من أعنف الهجمات الإرهابية في تاريخ الجمهورية التركية.
وفي يناير 2016، استهدف التنظيم مسجد السلطان أحمد في استانبول، في محاولة واضحة الضرب قطاع السياحة، ما أدى إلى مقتل 13 شخصا.
ثم جاء هجوم مطار أتاتورك الدولي في يونيو من العام ذاته، والذي أوقع 45 قتيلا، وقد أشير آنذاك إلى أن أبو محمد العدناني، المتحدث باسم التنظيم الذي قتل في 2016، كان من المخططين للهجوم قبل وفاته.
كما استهدف التنظيم في أغسطس 2016 حفل زفاف في مدينة غازي عنتاب، أسفر عن مقتل 59 شخصا في هجوم صدم الرأي العام التركي.
وفي الساعات الأولى من عام 2017، نفذ داعش هجومًا مسلخًا على ملهى رينا الليلي في استانبول، أسفر عن مقتل 39 شخصا.
دفعت هذه الهجمات الدامية الدولة التركية إلى شن عمليات أمنية وعسكرية واسعة ضد تنظيم داعش، سواء داخل الأراضي التركية أو خارجها، ولا سيما في كل من سوريا والعراق.
وفي المقابل صعد التنظيم من خطابه التحريضي ضد تركيا، داعيا إلى استهدافها عبر آلته الإعلامية والدعوية المتطرفة.
واعتمد داعش في هذا السياق على خطاب تكفيري، وصف فيه الساسة الأتراك بالكفر، وعلماء الدين بالردة، في محاولة مباشرة لاستقطاب الشباب التركي وتحريضه على الانضمام إلى صفوف التنظيم.
وروج التنظيم لفكرة أن مدينة استانبول لم تفتح بعد"، معتبرًا أن التحاق الشباب الأتراك به سيؤدي إلى تشكيل جيش قادر على "فتحها"، وفق أدبياته المتطرفة.
وفي إطار هذا المسعى، أصدر التنظيم مجلة باللغة التركية حملت اسم "قسطنطينية"، كما قام بترجمة مجلته المعروفة باسم "رومية" إلى اللغة التركية، في محاولة لتوسيع دائرة التجنيد داخل تركيا وكذلك في أوساط دول آسيا الوسطى التي يتحدث جزء كبير من سكانها اللغة التركية.
كما لجأ التنظيم إلى نشر عدد من الأناشيد والقصائد باللغة التركية، ضمن أدواته الدعائية الموجهة للشباب التركي.
وعقب سقوط تنظيم داعش في سوريا والعراق، وتحرير مدينتي الموصل والرقة في عام 2017، تراجع بشكل ملحوظ الإعلام الداعشي الناطق باللغة التركية، واختفت تركيا إلى حد كبير من خطاب التنظيم الإعلامي، ولم تعد حاضرة فيه إلا بشكل محدود حتى عام 2019.
وفي ضوء هذه التطورات، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة تتعلق بنشاط التنظيم داخل تركيا وهو ما يفرض قراءة أعمق المسارات المواجهة والتحولات الأمنية، وهو ما سنناقشه تفصيلًا في المقال القادم.