تُعد قناة السويس واحدًا من أهم الشرايين المائية في العالم، ومحورًا رئيسيًا في حركة التجارة الدولية منذ افتتاحها عام 1869، فهي تربط بين البحرين الأحمر والمتوسط، وتختصر مسافات شاسعة بين الشرق والغرب، مما جعلها مركزًا للصراع السياسي والاقتصادي عبر التاريخ، وركيزة أساسية في الأمن القومي المصري.
تتحكم قناة السويس فيما يقرب من 12% من حركة التجارة العالمية، وقرابة 30% من حجم تجارة الحاويات عالميًا، ولا تقتصر أهميتها على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى اعتبارات جيوسياسية بالغة الحساسية، إذ تمنح مصر قدرة فريدة على التأثير في خطوط الملاحة العالمية، وتضعها في قلب توازنات القوى الإقليمية والدولية.
وقد شكّل تحديث القناة وحفر القناة الجديدة عام 2015 نقلة كبيرة في تعزيز قدرتها الاستيعابية وتقليل زمن العبور، بما رفع من تنافسيتها في وجه الممرات البديلة.
ويجب أن ننتبه جميعًا إلى تصاعد حدة المنافسة بين القوى الكبرى، لإحكام السيطرة على الممرات البحرية الحيوية، فالمضايق والممرات ليست مجرد طرق للنقل، بل أوراق قوة تُستخدم في الضغط السياسي وتشكيل التحالفات، ومن أبرز هذه الممرات: مضيق هرمز، باب المندب، مضيق ملقا، والمسارات البحرية المستجدة في القطب الشمالي.
كما تعمل بعض القوى الدولية على إنشاء ممرات بديلة عبر مشروعات الربط البري أو تطوير الموانئ الاستراتيجية، في محاولة لتقليل الاعتماد على القنوات التقليدية.
وقد أظهرت حادثة السفينة “Ever Given” عام 2021 أن القناة ليست مجرد ممر مائي، بل ركيزة لاستقرار سلاسل الإمداد العالمية، إذ أدى تعطلها المؤقت إلى خسائر بمليارات الدولارات في التجارة العالمية، كما جعلت التوترات الجيوسياسية في البحر الأحمر، وتصاعد التهديدات في المنطقة، من تأمين القناة أولوية قصوى للدولة المصرية.
وقد استجابت مصر لهذه المتغيرات عبر تحديث الأسطول البحري، وتعزيز الوجود العسكري على الساحل، وتطوير البنية اللوجستية والموانئ المتصلة بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وعلى الرغم من ظهور طرق بديلة، فإن القناة ما زالت تمثل المسار الأسرع والأكثر أمانًا للتجارة العالمية، بفضل موقعها الجغرافي واستقرار الدولة المصرية وقدرتها على إدارة الحركة الملاحية بكفاءة عالية.
ورغم المكانة الفريدة للقناة، فإن عدة عوامل حدّت من تحقيق العائد الاقتصادي الأمثل منها. فعلى المستوى العالمي، أسهمت التحولات في خريطة التجارة الدولية وتقليص الاعتماد على سلاسل الإمداد الطويلة، إضافة إلى المنافسة من المسارات القطبية والطرق البرية الآسيوية، في التأثير على حجم المرور بالقناة.
أما داخليًا، فقد ظلت القيمة المضافة المتحققة من المنطقة الاقتصادية أقل من الإمكانات المتاحة، مع بطء نمو الصناعات اللوجستية والخدمية، إلى جانب التأثير المباشر للتوترات الأمنية في باب المندب والبحر الأحمر على انتظام الملاحة.
ويجدر الإشارة إلى أن تنوع الممرات المنافسة لقناة السويس بين ممرات قائمة بالفعل وأخرى مستقبلية وأخرى جارٍ العمل عليها، فالممرات العاملة حالياً تشمل مضيق هرمز ومضيق باب المندب، اللذين يشكلان نقاط عبور حيوية تؤثر مباشرة في حركة التجارة المتجهة نحو القناة، إلى جانب طريق رأس الرجاء الصالح الذي يُستخدم كبديل فعلي في أوقات الأزمات، وقناة بنما التي تنافس السويس في بعض مسارات التجارة.
فضلاً عن الممر الشمالي في القطب المتجمد الشمالي الذي بات صالحاً للملاحة جزئياً، وكذلك الممر الأوراسي الرابط بين الصين وأوروبا.
أما الممرات المستقبلية فتتمثل خصوصاً في النسخة المطوّرة من الممر القطبي الشمالي المتوقع أن يصبح ممرّاً عالمياً نشطاً على مدار العام مع استمرار ذوبان الجليد، إضافة إلى احتمال ظهور ممرات قطبية جديدة مثل الممر الشمالي الغربي.
بينما توجد ممرات جارٍ العمل عليها أو قيد التخطيط، أبرزها مشروعات الربط البرّي بين الخليج والبحر المتوسط، والممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا، ومشروعات النقل الإقليمي مثل طريق التنمية بين العراق وتركيا، وهي مشروعات قد تستقطب جزءاً من حركة التجارة التي تمر حالياً عبر قناة السويس.
ولا مراء في أن تعدد الممرات البحرية والبرية المنافسة، يًعد تحدياً إستراتيجياً لقناة السويس، إذ يفتح المجال أمام تحويل جزء من حركة التجارة العالمية بعيداً عنها، سواء لأسباب اقتصادية أو جيوسياسية أو مناخية.
ولتعظيم الاستفادة من القناة وتعزيز دورها المركزي، يمكن للدولة تبنّي عدد من السياسات العملية، أبرزها:
تسريع تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وربطها بصناعات ذات قيمة مضافة عالية، بما يحوّل القناة إلى مركز إنتاج ولوجستيات عالمي.
تطوير أنظمة الملاحة والإنقاذ واستخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لرفع الكفاءة وتقليل زمن العبور وتعزيز التنافسية.
تعزيز تأمين البحر الأحمر وباب المندب عبر رفع الجاهزية البحرية المصرية وتوسيع التعاون الإقليمي لحماية خطوط الملاحة.
جذب الشركات العالمية لإنشاء مراكز صيانة وتموين وخدمات بحرية داخل نطاق القناة لجعلها مقصدًا رئيسيًا للسفن العابرة.
التوسع في مشروعات التوسعة والتعميق في القطاعات ذات الاختناق لضمان الحفاظ على تفوق القناة على أي ممر بديل.
رفع كفاءة الإدارة الاقتصادية للقناة وتنويع مصادر الدخل عبر الخدمات البحرية المتقدمة واللوجستيات.
إن قناة السويس ليست مجرد ممر للملاحة الدولية، بل عنصر قوة جيوسياسية واقتصادية، وصراع الممرات العالمية يؤكد ضرورتها الاستراتيجية، ومع استمرار التحديث وتفعيل المنطقة الاقتصادية وتطوير البنية العسكرية واللوجستية، ستظل القناة حجر زاوية في دعم الاقتصاد المصري وتعزيز مكانة الدولة في قلب حركة التجارة العالمية.
والله من وراء القصد.
عاشت مصر شعبًا وقيادة.