بين عظمة العرش وقرب "حبل الوريد".. قصة الكون كما ترويها سورة الحديد|فيديو
قال الداعية الإسلامي مصطفى حسني، إن القرآن الكريم يختصر قصة الوجود من الأزل إلى الأبد في 4 آيات فقط، واضعا الإنسان أمام مرآة الحقيقة الكبرى، من هو الإله الذي نعبده؟ وكيف تدور رحى هذا الكون الفسيح تحت بصره وعنايته؟ مضيفا أنها رحلة في أعماق سورة "الحديد"، حيث تتجلى صفات الجمال والجلال لتصيغ علاقة حب فريدة بين الخالق والمخلوق.
سيمفونية التسبيح: من الذرة إلى المجرة
وأضاف الداعية الإسلامي خلال تقديم برنامجه رسالة من الله المذاع على قناة النهار أن الرحلة تبدأ بإعلان الحقيقة الخفية: "سبّح لله ما في السماوات والأرض"، حيث يخبرنا الحق سبحانه أن هذا الصمت الكوني ليس سكوناً، بل هو ثناء متصل؛ فمن أصغر ذرة لا تُرى بالعين إلى أكبر مجرة تسبح في الفضاء، الكل يشهد بجمال الله وكمال حكمته، موضحا إنها "سيمفونية" كونية تُقرّ بأن العزيز الحكيم لا يشوب أفعاله نقص، ولا يخرج تصرف في ملكه عن مقتضى الحكمة.
وأِشار إلى أن النص ينتقل بنا إلى آفاق الملكية المطلقة: "له ملك السماوات والأرض" هنا تتلاشى القوى البشرية أمام هيمنة "أرأف ملك" و"أحنّ حكم"، في قبضته سبحانه سرّ الحياة والموت؛ هو الذي يبث الروح في الجنين الصغير، ويُحيي البذرة الميتة لتخرج نباتاً، وهو الذي يطوي سجلات المخلوقات بكلمة واحدة، ليبقى وجهه ذو الجلال والإكرام هو الحقيقة الباقية.
تجليات الظهور والبطون
وأكد أنه تأتي الآية الثالثة لترسم ملامح الزمن والمكان في ذات الله: "هو الأول والآخر والظاهر والباطن". هو الأول الذي كان ولم يكن شيء معه، والآخر الذي يبقى بعد فناء الوجود، ففي الظاهر يتجلى لنا في عظمة البحار، وثقل السماوات، ورسوخ الجبال، الباطن، يلطف بنا في جمال الأزهار، وفي النسمة الرقيقة، وفي صوت الطيور المغردة، موضحا أنه لم يكن ذِكر علمه بكل شيء في ختام الآية للتهديد، بل لـ "الطمأنة"؛ فالله يعلم الخاطرة التي لم تنطق بها، والأمنية التي خبأتها في صدرك، وهو المحيط بكل كيدٍ يُراد به أذاك.
وتابع: يُختتم المشهد بوصف الاستواء على العرش: "ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها". رغم عظمة العرش وبعده، إلا أن الله يرى حركة رمال الصحراء، وقطرات المطر، وورق الأشجار الساقط في ظلمات الليل. كل دعوة تصعد، وكل روح تخرج من ضيق الدنيا، تمر بعنايته ورحمته"..
وأردف:" تأتي الدرة التاج في ختام هذه المعاني: "وهو معكم أينما كنتم". إنها معية القرب والمحبة، وليست معية الرقيب الذي يترصد العثرات. هو الله الذي هو أقرب إليك من حبل الوريد؛ أقرب إلى أحزانك، وأقرب لطموحاتك، وأعلم بحالك منك".
دعوة للتعلق
وتابع:" إن الغرض من هذه الآيات ليس مجرد المعرفة العقلية، بل هي دعوة لـ "التعلق"، فإذا تعرفنا على الله بهذه الصفات الكامله، تعلقنا به، وإذا تعلقنا به، عبدناه بحب، وإذا عبدناه بحب، استقبلت قلوبنا أنوار القرب، إننا هنا لنشاهد كماله، ونعيش رحلة الحب الأبدي مع مالك الملك".