رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تكملة للمقالة السابقة في عرض الأدلة التي اعتمدت عليها في تفسير.. “وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ”.. على أنها العلم الذي تلقاها ببيت العزيز، وليس معناها تفسير الرؤى.

 (1) الرؤى في القصة كلها دلت عليها كلمة الرؤى ولم يحدث أن قص أحد رؤية وعبر عنها بكلمة حديث أو أحاديث.. يقول تعالى: } إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤) قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إخْوَتِكَ .. { لم يقل لا تقصص أحاديثك.. ويقول تعالى: ( وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأَخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣). قَالُوا أَضْغَاتُ أَخلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيل الْأَحْلامِ بِعَالِمِينَ (٤٤). 

 

قالوا هنا وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين.. لم يقولوا وما نحن بتأويل الأحاديث بعالمين.. وفى آخر السورة يقول تعالى على لسان سيدنا يوسف : ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا.. { قال هذا تأويل رؤياي ولم يقل تأويل أحاديثي.

 

فالأحلام يتم التعبير عنها فى السورة كلها بالرؤى.. ولم يحدث أن تم التعبير عنها بكلمة أحاديث. بذلك تصبح كلمة أحاديث تعنى المعنى المباشر لها وهو الكلام المتداول بين الناس، والكلام الذي كان متداولاً فى قصر العزيز من خلال الوزراء والعلماء والخبراء، هو العلم الغزير والمتقدم فى مختلف التخصصات والأفرع، والذي يثبت هذا المعنى ما قام به سيدنا يوسف مع الملك من تفسيره لرؤيته، كما أضاف إليها من علمه ما جعلها تخرج من مجرد رؤية وتفسير إلى خطة عمل شاملة منقذة للبلاد والعباد.

 

هو العلم الغزير والمتقدم فى مختلف التخصصات والأفرع، والذي يثبت هذا المعنى ما قام به سيدنا يوسف مع الملك من تفسيره لرؤيته، كما أضاف إليها من علمه ما جعلها تخرج من مجرد رؤية وتفسير إلى خطة عمل شاملة منقذة للبلاد والعباد.

 

(2)إن بعض المفسرين اعتمد من بين ما اعتمدوا في تفسير أن تأويل الأحاديث تعنى تفسير الرؤى على الآية الكريمة : ( وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمْهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦) ، يقال فى تفسيرها وكما أراك ربك هذه الرؤيا، فكذلك يجتبيك ويصطفيك ويعلمك تفسير ما يراه الناس في منامهم من الرؤى مما تؤول إليه واقعا.

 

فلو اعتمدنا على شرح تأويل الأحاديث على أنها تفسير المنامات على كلمة يجتبيك، فيجتبيك يعنى يختارك ويصطفيك، وفي التفاسير يقولون: فكذلك يصطفيك ويعلمك تفسير ما يراه الناس في منامهم من الرؤى، يعنى كأن الله تعالى اختاره واصطفاه ليعلمه علم تفسير الرؤى، بينما علم تفسير الرؤى علم يعلمه سيدنا يعقوب وأبنائه، فقد فسر سيدنا يعقوب رؤية سيدنا يوسف في أول السورة، وقال له لا تخبر بها إخوتك، لأنهم سوف يعرفون تفسيرها وقد يشكل هذا خطراً عليه، } قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (٥) فتفسير الرؤى ليس بأمر اختص الله تعالى به سيدنا يوسف، لكن ربنا ذكر تعليمه لتأويل الأحاديث لسيدنا يوسف على أنها أمر اختصه به، وبالتالي فإن علم تأويل الأحاديث هنا هو علم مختلف لم يتعلمه الآخرون، وبهذا الفهم لا يكون هو علم تأويل الأحلام لأن علم تأويل الأحلام كان موجوداً عند سيدنا يعقوب وعند إخوة سيدنا يوسف.

 

كما أن الله تعالى يقول بهذه الآية } وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمْهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ( رب العالمين بين أن نعمة تأويل الأحاديث نعمة قد أتمها عليه وعلى آل يعقوب، كما أتمها من قبل على أبويه إبراهيم وإسحاق، ولم يأت أن سيدنا إبراهيم ولا سيدنا إسحاق كان لديهم القدرة على تأويل المنامات، إنما ذكرهم في آية واحده .

 

 أخرى جمعت بينهم في صفات محددة، يقول تعالى: } وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ (٤٥). ص.

 أولي الأيدي أي أولي القوة، والأبصار أي أنهم أصحاب بصيرة نافذة جمعهم في هذه الآية كما جمعهم هم فقط في آية سيدنا يوسف ليدلنا على أن نعمته سبحانه التي أتمها على سيدنا يوسف هي البصيرة النافذة التي تنتج عن العلم الغزير، كما قال من قبل في سيدنا اسحاق أنه غلام عليم . ... إنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣)) الحجرات.

 

(3) ثالث دليل من السورة السياق، فهم الآيات يتم من خلال السياق الذي أنت فيه الآية، يعنى نتفهم معنى الآية من خلال معاني الآيات التي قبلها والتي بعدها، وهنا سنتكلم عن معنى الآية التي جاءت بها الجملة التي نبحث معناها، يقول تعالى: } وَقَالَ الَّذِي اشتَرَاهُ مِن مُصْرَ لِامْرَأتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِتُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ : وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (۲۱). هنا تأويل الأحاديث في سياق بعيد تماماً عن تفسير الأحلام، لكنها في إطار وجوده ببيت الرجل الذي اشتراه، وهذا الرجل هو عزيز مصر مكانته كبيرة بالدولة كأنه رئيس الوزراء، ورب العالمين ربط وجود سيدنا يوسف ببيت عزيز مصر بتمكينه وتعليمه تأويل الأحاديث ولا يوجد ببيت العزيز أي تعليم لتأويل الرؤى، لكن في بيته العلوم التي تناسب المسئول الكبير علوم الفلك والزراعة والحساب والاقتصاد والبناء... وكل العلوم الخاصة بإدارة الدولة، فيصبح السياق الذي أتت به هذه الجملة " وَلِتُعَلَّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ " يشير بوضوح للعلوم التي كانت تبحث فى بيت عزيز مصر الذي سكنه سيدنا يوسف.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء