د. نبيل لوقا بباوي صاحب فكرة تمثال ومقهى "أم كلثوم"
لم يكن الدكتور نبيل لوقا بباوي (1944- 2021) شخصية تقليدية في المشهد المصري، بل نموذجا نادًا جمع بين الجدية الأكاديمية، والخبرة الأمنية، والانحياز الواضح لقيم الفن والوحدة الوطنية.
هو رجل شرطة وصل إلى رتبة لواء، وباحث حصل على ثماني درجات دكتوراه في مجالات متباينة شملت القانون الجنائي، والاقتصاد، والشريعة الإسلامية، والشريعة المسيحية، والقانون الدولي، وعلوم الشرطة، لكنه في الوقت نفسه كان أحد أكثر المدافعين بحماسة عن الفن الراقي بوصفه أحد أعمدة الهوية المصرية.
عرفته داخل ديوان المجلس المحلي لمحافظة القاهرة كنائب لمجلس الشورى عن الحزب الوطني الديمقراطي ، وقتها وكيلا للجنة الثقافة والإعلام والسياحة، كما عرفته عن قرب لم يكن الشخص الجاد المتجهم وفقا لسيرته الذاتية التي حملت هذا الكم من شهادات الدكتوراه ، ولكنه كان رجلا خفيف الظل، دائم الابتسامة خير جدا لدرجة كان صغار العاملين بديوان محافظة القاهرة يلتفون حوله لنيل ما اعتاد أن يجود به عليهم ، وحوله يلتف المواطنون من حاملي طلبات الإعانات والمصالح المتعطلة وكان يرحب بهم و يسعى لحل مشاكلهم وتلبية مطالبهم.
اما الجانب الآخر منه، أنه كان مفكرا متنوعا في مجالات عدة قد تبدو انها متباينه أو متعارضه فهو مفكر مسيحي تصدى بجرأة علمية ، للشبهات المثارة حول الإسلام، فكتب عشرات المؤلفات التي دافعت عن الأديان السماوية جميعا، ورسخت لفكرة الوحدة الوطنية على أسس قانونية وتاريخية موثقة، من بينها كتابه الأشهر " انتشار الإسلام بحد السيف بين الحقيقة والافتراء " والذي نفى فيه فكرة انتشار الاسلام بالسيف ، و" الإرهاب ليس صناعة إسلامية " وفيه يدافع عن سماحة الاسلام وينفي عنه دعوات القتل والارهاب ، ثم كتابه المستنير " حقوق الإنسان في ظل الإسلام "
لكن بعيدًا عن السياسة وأروقة القانون ، كان للدكتور نبيل لوقا وجه آخر لا يقل تأثيرا، وجه العاشق للفن، والمؤمن بأن الثقافة ليست ترفًا، بل قوة ناعمة تشكل وجدان الأمة.
ارتبط اسم الدكتور نبيل لوقا بباوي ارتباطا خاصا بكوكب الشرق أم كلثوم، لم يتوقف عند حدود الإعجاب، بل تُرجم إلى مبادرات ملموسة ، ففي نهاية تسعينات القرن الماضي، كان صاحب فكرة إنشاء مقهى ثقافي تجاري يحمل اسم أم كلثوم في شارع الألفي بوسط القاهرة ، لم يكن المقهى مشروعا تجاريا عابرا، بل مساحة ثقافية تحمل صورتها وتمثالًا لها عند المدخل، في محاولة لإعادة الاعتبار للفن الأصيل في قلب المدينة.
وحين ظهرت المطربة الصاعدة آنذاك آمال ماهر، ورأى فيها كثيرون امتداداً لصوت أم كلثوم، قرر إضافة اسمها وصورتها إلى يافطة المقهى تحت مسمى " أم كلثوم وخليفتها آمال ماهر" ، لكن مع إعلان آمال ماهر استقلالها الفني وخروجها من عباءة كوكب الشرق، أعاد الدكتور نبيل المكان إلى أصله، مكتفيا باسم أم كلثوم وحده، في موقف حمل دلالة رمزية واضحة هي ان أم كلثوم ليست مرحلة تُستكمل، بل قيمة قائمة بذاتها.
لم يتوقف حبه عند حدود المقهى ، فبصفته رئيساً لـ " نادي ليونز القاهرة " كان صاحب المبادرة الأولى لإقامة تمثال أم كلثوم الشهير في حي الزمالك ، تبنى الفكرة، وأشرف على تمويلها كإهداء لمحافظة القاهرة، واختير الموقع بعناية في شارع أبو الفدا، بالقرب من موقع فيلتها القديمة التي أُزيلت وبني بدلا منها برجا سكنيا وفندقا يحمل اسمها
صمم التمثال النحات طارق الكومي، وحرص الدكتور " بباوي " على أن تظهر أم كلثوم بوقفتها المهيبة، ممسكة بالمنديل، لتتحول القاعدة الحجرية إلى شاهد على ذاكرة وطن، ومعلم ثقافي وسياحي يعاند محاولات طمس الرموز.
كما عمل من خلال نادي ليونز على تخصيص قاعة تحمل اسم أم كلثوم، تضم صورا ومقتنيات توثق مسيرتها، في محاولة لتعويض جزء من الخسارة الثقافية التي لحقت بتراثها المادي.
كان الدكتور نبيل يرى أن أم كلثوم ليست مجرد مطربة، بل رمز للهوية المصرية، وصوتا صنع وجدان أجيال، لذلك اعتبر أن تكريمها هو تكريم لمصر نفسها.
هذا الإيمان دفعه إلى تحويل " نادي ليونز القاهرة" إلى صالون ثقافي دائم، تُكرم فيه رموز الفن في حياتهم، لا بعد رحيلهم، ويرتبط فيه التكريم بالفعل الخيري، حيث تُوجّه عوائده لدعم المستشفيات ودور الأيتام.
كما دعم بقوة مبادرات الحفاظ على تراث موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، ونظم أمسيات سنوية تستحضر رموز الغناء المصري، إيمانا بضرورة التواصل بين الأجيال، ولم يتردد في تقديم دعم إنساني غير معلن لفنانين تراجعت عنهم الأضواء أو داهمهم المرض.
رحل دكتور نبيل لوقا بباوي ، لكن ما تركه من كتب ومواقف وتماثيل ومساحات ثقافية، تؤكد أن بعض الأفراد لا يكتفون بالعيش داخل التاريخ، بل يتركون فيه علامات لا تُمحى.