لماذا لم تخفض مصر أسعار الوقود رغم تراجع النفط عالميا؟
في الوقت الذي اتجهت فيه عدة دول حول العالم إلى خفض أسعار المواد البترولية مستفيدة من تراجع أسعار النفط الخام عالميًا، سارت مصر في مسار مغاير، حيث أبقت الحكومة على الأسعار دون خفض، بل نفذت آخر زيادة في أكتوبر الماضي، وسط توقعات بزيادة جديدة خلال فترة لا تتجاوز 10 أشهر وفق تصريحات رسمية لوزير البترول.
هذا التباين يطرح تساؤلات مشروعة لدى الشارع المصري حول أسباب عدم انعكاس انخفاض أسعار النفط العالمية على السوق المحلية، ولماذا تختلف آلية التسعير في مصر عن دول أخرى.
أولًا: التسعير في مصر لا يعتمد على النفط فقط
تؤكد الحكومة المصرية أن تسعير المواد البترولية لا يرتبط بسعر برميل النفط الخام وحده، وإنما يعتمد على معادلة تسعير مركبة تشمل:
سعر خام برنت عالميًا
سعر صرف الدولار أمام الجنيه
تكاليف النقل والتكرير والتأمين
الأعباء الضريبية
تكلفة الاستيراد خاصة للمنتجات البترولية الجاهزة
وبحسب هذا المنطق، فإن أي انخفاض في سعر النفط قد يتم امتصاصه جزئيًا أو كليًا بفعل ارتفاع الدولار أو زيادة تكاليف الاستيراد والخدمات اللوجستية.
ثانيًا: مصر ما زالت مستوردًا صافيًا للوقود
رغم التقدم المحقق في قطاع الطاقة، لا تزال مصر تعتمد جزئيًا على استيراد بعض المنتجات البترولية، خاصة السولار والبوتاجاز، وهو ما يجعل الدولة عرضة لتقلبات الأسعار العالمية وسعر الصرف، بعكس دول منتجة تعتمد كليًا على خامها المحلي.
وتسعى الحكومة إلى تقليص هذه الفجوة عبر زيادة الإنتاج المحلي من الغاز والبترول، إلا أن تحقيق الاكتفاء الكامل لم يكتمل بعد.
ثالثًا: دعم الوقود ما زال عبئًا على الموازنة
تشير البيانات الحكومية إلى أن دعم المواد البترولية لا يزال يمثل عبئًا كبيرًا على الموازنة العامة، خاصة في ظل:
ارتفاع فاتورة الاستيراد
التزامات الدولة تجاه برامج الحماية الاجتماعية
أعباء خدمة الدين
وبالتالي، فإن خفض الأسعار محليًا دون استدامة مالية قد يؤدي إلى توسيع عجز الموازنة، وهو ما تحاول الحكومة تجنبه.
رابعًا: التزامات برنامج الإصلاح الاقتصادي
ترتبط سياسة تسعير الوقود في مصر بالتزامات برنامج الإصلاح الاقتصادي، والذي يستهدف:
الوصول إلى تسعير عادل يعكس التكلفة الحقيقية
تقليص الدعم تدريجيًا
توجيه الموارد إلى قطاعات أكثر أولوية مثل الصحة والتعليم
ومن ثم، فإن أي خفض دائم في الأسعار يحتاج إلى ضمانات بعدم عودة الضغوط على الموازنة في حال تغير الظروف العالمية.
خامسًا: لجنة التسعير التلقائي… لماذا لم تخفض؟
تعقد لجنة التسعير التلقائي اجتماعات ربع سنوية، لكنها لا تلتزم دائمًا بخفض الأسعار حتى في حالة انخفاض النفط، إذ تعتمد قراراتها على متوسطات زمنية وليس تحركات لحظية، كما تضع سقفًا للزيادة أو الخفض لا يتجاوز ±10%.
وفي بعض الحالات، تفضّل اللجنة تثبيت الأسعار لإعادة التوازن المالي بدلًا من الخفض المؤقت.
زيادة جديدة محتملة… ماذا بعد؟
وفق تصريحات وزير البترول، فإن الزيادة المقبلة إن تمت ستكون بعد مرور نحو 10 أشهر أو أقل من آخر زيادة في أكتوبر، وهو ما يشير إلى استمرار سياسة التحريك التدريجي للأسعار، مع محاولة تخفيف الصدمة على المواطنين.
عدم خفض أسعار الوقود في مصر رغم انخفاض النفط عالميًا لا يرتبط بعناد حكومي، بقدر ما يعكس:
اختلاف هيكل الاقتصاد
تأثير سعر الصرف
استمرار فجوة الاستيراد
اعتبارات الموازنة العامة
لكن في المقابل، يبقى الملف محل نقاش مجتمعي واسع، خاصة مع تأثير أسعار الوقود المباشر على تكاليف المعيشة والنقل وأسعار السلع.