تتصاعد اليوم في المنطقة العربية ومحيطها الجيوسياسي موجة من النزاعات الانفصالية التي لم تعد مجرد حركات محلية تطالب بتقرير المصير، بل تحولت إلى محركات رئيسية لإعادة رسم خارطة النفوذ الدولي والإقليمي.
ويبرز الربط بين قضية «أرض الصومال» والتطورات المتسارعة على الجبهة اليمنية كمدخل لفهم كيفية تحول الجغرافيا إلى ساحة للصراع بين مشاريع الوحدة والتشظي، حيث يتقاطع سعي «أديس أبابا» للحصول على منفذ بحري عبر إقليم انفصالي مع طموحات «المجلس الانتقالي الجنوبي» في اليمن للسيطرة على موانئ استراتيجية مثل المكلا وعدن، مما يضع مفهوم الدولة الوطنية في مهب الريح أمام رغبات التوسع الجيوسياسي.
إن الزاوية الأكثر خطورة في هذه التطورات تكمن في نشوء ظاهرة «السيادة المجزأة»، حيث لم تعد بعض القوى الإقليمية تبحث عن تحالفات مع حكومات مركزية مستقرة، بل باتت تفضل التعامل مع كيانات «الأمر الواقع» لتأمين مصالحها الاستراتيجية بعيداً عن تعقيدات الدبلوماسية الرسمية والالتزامات الدولية تجاه سيادة الدول.
ففي اليمن، يعكس الصدام العسكري الأخير في حضرموت بين التحالف والقوى الانفصالية وصول التناقضات إلى طريق مسدود؛ فبينما تحاول الرياض الحفاظ على وحدة الجسد اليمني لضمان أمن حدودها، يرى دعاة الانفصال في السيطرة الميدانية وسيلة لتثبيت نفوذ بحري دائم وقاعدة لشرعية دولية مستقبلية، وهو ذات المنطق الذي يغذي أزمة أرض الصومال، حيث يُقايض الاعتراف السياسي بالسيادة على الممرات المائية الحيوية.
وتجد مصر نفسها في قلب هذا المشهد المتلاطم، حيث يمثل استقرار اليمن ووحدة الصومال ركيزتين أساسيتين لأمنها القومي المرتبط عضوياً بسلامة الملاحة في البحر الأحمر.
إن أي اعتراف دولي بكيانات انفصالية في القرن الأفريقي يمنح قوى إقليمية مثل إثيوبيا موطئ قدم عسكري على مقربة من مضيق باب المندب، وهو ما تعتبره القاهرة تهديداً مباشراً لقناة السويس وخنقاً استراتيجياً لمصالحها المائية والاقتصادية.
وبالمثل، فإن تشظي الجنوب اليمني ودخول موانئه في دوامة الصراع العسكري يعرض الممر الملاحي للفوضى، مما يضطر الدولة المصرية للعب دور دبلوماسي وعسكري أكثر حزماً لمنع تحول هذه الأقاليم المنفصلة إلى منصات لتهديد أمنها القومي أو أدوات لمساومتها في ملفات إقليمية أخرى.
هذا المشهد المتشظي يلقي بظلال قاتمة على الأمن القومي العربي، إذ إن إضعاف المركز في مقديشو أو عدن يفتح ثغرات أمنية واسعة لا تستفيد منها سوى القوى الطامعة والجماعات المسلحة.
فالتصعيد في جنوب اليمن يمنح جماعة الحوثي ومن خلفها الأطراف الإقليمية الداعمة لها فرصة ذهبية لترسيخ نفوذها شمالاً بينما ينشغل الخصوم في صراعاتهم البينية على الموانئ والجزر، كما أن الاعتراف الدولي المحتمل بأرض الصومال قد يفجر صراعاً في القرن الأفريقي يمتد أثره مباشرة إلى أمن البحر الأحمر، مما يضع الأمن القومي للدول العربية الكبرى في حالة استنفار دائم لمواجهة تداعيات انهيار مفهوم الدولة المركزية لصالح كانتونات عسكرية ومناطق نفوذ أجنبية.
وفي نهاية المطاف، فإن ما يحدث في اليمن والصومال يثبت أن النزاعات الانفصالية لم تعد شأناً محلياً محضاً، بل هي «تأثير دومينو» قد يطال دولاً أخرى إذا ما استمر نهج توظيف الحركات الانفصالية كأدوات في الصراعات الإقليمية.
إن حماية الاستقرار تقتضي تجاوز الصيغ التقليدية للحلول السياسية، والعمل على بناء جبهة ترفض مقايضة وحدة الأراضي بالامتيازات العسكرية أو الاقتصادية، لأن استبدال مؤسسات الدولة بكيانات فرعية لن ينتج استقراراً مستداماً، بل سيحول الممرات المائية والحدود إلى ساحات مفتوحة للفوضى والتدخلات التي لن تتوقف عند حدود جغرافية معينة.