في ذكرى ميلاده.. أدونيس بين الشعر والثورات العربية والخلافات الثقافية
يظل الشاعر السوري الكبير أدونيس، أو علي أحمد سعيد إسبر، من أبرز الأصوات الشعرية العربية وأكثرها جدلاً، إذ يشغل مكانة فريدة بين رواد الشعر العربي الحديث، ويثير على الدوام الجدل الثقافي والسياسي، اليوم، مع حلول ذكرى ميلاده، نستعرض مسيرة هذا الشاعر الذي خاض معارك طويلة مع الوسط الثقافي العربي ومع تحولات بلده والمنطقة.
أدونيس وميلاده ومسيرته الأدبية
ولد علي أحمد سعيد إسبر، المعروف بـ"أدونيس"، في الأول من يناير 1930 بمحافظة اللاذقية شمال سوريا، منذ بداياته الأدبية، أظهر أدونيس روح التمرد والابتكار، فكان أحد المؤسسين لمجلة "شعر" اللبنانية عام 1957 مع كل من يوسف الخال وخليل حاوي ونذير العظمة.
وكانت المجلة منصة لنشر التجديد الشعري، لكنها لم تكن خالية من الخلافات، خصوصاً بين أدونيس والخال، حيث اعتبر أدونيس أن مجلة "شعر" توقفت عند حدود التغيير الموروث ولم تصل إلى التجديد الحقيقي، ما دفعه لتأسيس مجلة "مواقف" عام 1968، في محاولة لتجاوز ما بدأته المجلة الأولى.
مع مرور السنوات، ظلت معارك أدونيس مع مؤسسي المجلة مستمرة، وظهرت روايات متباينة حول أسباب الخلافات، إذ يرى كل طرف أن تجربته كانت الأكثر صدقاً وابتكاراً، فيما يصف الآخر محاولاته بأنها لم تكن صادقة بما يكفي. إلا أن هذه المعارك لم تمنع أدونيس من أن يصبح صوتاً أساسياً في الشعر العربي الحديث، ومرشحاً دائماً لجائزة نوبل في الآداب.
مواقفه من الثورة السورية
اتخذ أدونيس موقفًا صريحًا ومعارضًا للثورات العربية، ولا سيما الثورة السورية التي اندلعت عام 2011، فالشاعر المعروف بثباته الفكري رفض دعم المعارضة المسلحة، منتقدًا ما وصفه بانهيار الحريات الذاتية والاقتصادية لدى الشعوب العربية بعد الثورات، وقال إن "الربيع العربي"، الذي كان يفترض أن يمثل الانعتاق والتغيير، حول غالبية السكان إلى فقراء وعاطلين وأقل قدرة على المقاومة أو التقدم.
كما شدد أدونيس على أن الثورات لم تؤد إلى بناء دول ديمقراطية، بل ساهمت في انتشار الفوضى، مضيفًا أن العرب أصبحوا "أدوات ووسائل" في يد الآخرين، مستشهداً بحال دول مثل تركيا والسودان، موقفه هذا أثار عليه هجوم الكثير من مؤيدي الثورة السورية، لكنه ظل ثابتًا على آرائه حتى في المحافل الثقافية العالمية.
الإسلام السياسي
لطالما أثار أدونيس جدلاً حول علاقة الدين بالدولة، وخاصة مع الجماعات الإسلامية مثل الإخوان المسلمين. فهو يرى أن الإسلام رسالة روحية قبل أن يكون نظام حكم، وأن الدولة بطبيعتها تحمل في طياتها العنف.
ومن هذا المنطلق، دعا أدونيس إلى ضرورة التحول نحو العلمانية لتجنب الصدام بين الدين والسياسة، مؤكداً أن الدولة الحديثة لا يمكن أن تكون مجرد امتداد للسلطة الدينية أو التقليدية.
هذا التوجه دفعه إلى مواجهة بعض المؤسسات الثقافية، إذ ظهرت بوادر أزمة حين تم منع كتابه "الثابت والمتحول" من معرض الكتاب بالقاهرة، قبل أن يُعاد توزيعه لاحقًا بشكل طبيعي بعد نفى الهيئة العامة لقصور الثقافة وجود أي قرار رسمي بالمنع.
يبقى أدونيس شخصية فريدة في الثقافة العربية، شاعرًا ومفكرًا، لا يخشى مواجهة أي مؤسسة أو تيار فكري، سواء في الشعر أو السياسة. ومع ذكرى ميلاده الـ88، يستمر جدل أدونيس بين محبيه ومعارضيه، ويظل صوته حاضرًا في نقاشات الأدب والسياسة والثقافة العربية، مؤكدًا أن الشعر ليس مجرد كلمات، بل موقف وعقيدة ورؤية للعالم.