بين حماية الوعي وحرية التعبير.. الصحافة تواجه ظاهرة مشاهير السوشيال ميديا
أعادت مبادرة وقف تغطية أنشطة مشاهير «السوشيال ميديا» طرح ملف دور الصحافة وحدود مسؤوليتها المهنية والمجتمعية، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الموجهة إلى الترويج لنماذج يراها كثيرون مسيئة للمجتمع ومشوِّهة لمنظومة القيم.
وبين ترحيب واسع بالمبادرة، وتحفظات تربط نجاحها بتوفير مناخ حقيقي لحرية الصحافة، تتقاطع الآراء حول الحاجة إلى إعلام مهني قادر على منافسة «الترند» بمحتوى جاد، واستعادة ثقة الجمهور، وحماية الوعي العام، لا سيما لدى الأجيال الجديدة التي باتت تعتمد بشكل أساسي على منصات التواصل الاجتماعي في تشكيل معارفها ورؤيتها للعالم.
ليلى عبد المجيد: خطوة إيجابية لوقف ترويج التفاهة
اعتبرت الدكتورة ليلى عبد المجيد، العميد السابق لكلية الإعلام بجامعة القاهرة، أن عدم متابعة أو تغطية أنشطة مشاهير السوشيال ميديا يُعد خطوة إيجابية، لما يسهم به في منع وسائل الإعلام المهنية من تشجيع نماذج تقدم محتوى يقوم على التفاهة والابتذال وانعدام الذوق، وتُسيء إلى صورة المجتمع المصري.
وأوضحت عبد المجيد لـ«إيجبتكِ»، أن هذه الفئة تُقدَّم أحيانًا باعتبارها ممثلة للمجتمع، وتحظى بنسب مشاهدة مرتفعة و«ترندات» مصطنعة، ما يخلق انطباعًا مشوهًا عن القيم السائدة، ويحوّل السطحية والابتذال إلى نموذج للنجاح والشهرة.
مساران للمواجهة
وأكدت عبد المجيد أن هذه الخطوة، على أهميتها، غير كافية بمفردها، مشددة على أن مواجهة الظاهرة تتطلب مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في وضع ضوابط واضحة، لا قيود، لتنظيم أداء وسائل الاتصال والمحتوى الرقمي، وتنظيم نشاط من يطلقون على أنفسهم «بلوجرز» و«تيك توكرز»، الذين تحوّل بعضهم إلى ظاهرة مسيئة للمجتمع، والثاني يتمثل في إطلاق حملات توعية مستمرة للمواطنين بخطورة هذه الظاهرة.
تجارب دولية لتنظيم عمل «المؤثرين»
وأشارت عبد المجيد إلى وجود تجارب دولية عديدة تُلزم من يُعرفون بـ«المؤثرين» بالحصول على تراخيص من جهات مستقلة، تحدد طبيعة المحتوى وتخصصه، وتمنع ظهور النماذج التي لا تقدم محتوى مفيدًا أو تمس أمن المجتمع، وذلك بالتنسيق مع الشركات المسؤولة عن إدارة منصات التواصل الاجتماعي.
وأضافت أن هذه الإجراءات تسهم في حماية المجتمع من الآثار المدمرة لهذه الظاهرة على القيم والمبادئ، خصوصًا النشء والأجيال الرقمية التي تعتمد بشكل شبه كامل على الإعلام الرقمي في تشكيل وعيها ومعارفها.
التوعية المجتمعية ضرورة لا غنى عنها
وشددت عبد المجيد على أن التصدي لهذه الظاهرة يتطلب جهودًا منظمة ومستمرة لتوعية المواطنين، موضحة أن مجرد مشاهدة هذه النماذج، حتى بدافع النقد أو الرفض، تسهم في رفع نسب المشاهدة وتحقيق الأرباح، بما يساعد على استمرارها وانتشارها، رغم ما تخلّفه من آثار سلبية على المجتمع.
وأكدت أن المواجهة مسؤولية مشتركة، تشمل مؤسسات التعليم والثقافة والإعلام المهني، إلى جانب إطلاق برامج فعالة للتربية الرقمية عبر منصات التواصل الاجتماعي، بهدف توعية المواطنين بخطورة التفاعل مع هذا النوع من المحتوى، والدعوة إلى التوقف عن دعمه.
نقيب الصحفيين: خطوة لإبراز المواهب الحقيقية
من جانبه، أكد الكاتب الصحفي خالد البلشي، نقيب الصحفيين، أن المبادرة تعد خطوة جادة على طريق إبراز المواهب الحقيقية، وإعادة توجيه بوصلة العمل الصحفي نحو قضايا المواطنين واهتماماتهم، بدلًا من الانشغال بـ«صحافة الترند» التي باتت تهيمن على عدد كبير من المواقع.
وأكد البلشي، أن الصحافة الحقيقية هي تلك التي تنشغل بهموم المواطن وتعكسها بصدق، مشددًا على أن معيار نجاح الصحافة يتمثل في قدرتها على أن تكون صوتًا معبرًا عن مشكلات الناس وتطلعاتهم.
وأوضح نقيب الصحفيين أن جوهر رسالة الصحافة يتمثل في دعم قيم العدالة والتقدم والحرية والديمقراطية، باعتبارها قيمًا عليا يجب الدفاع عنها، ومقومات أساسية لأي مجتمع يسعى إلى التطور والاستقرار.
حسين الزناتي: شرعية زائفة وخطر على الجيل الرقمي
بدوره، أكد الكاتب الصحفي حسين الزناتي، وكيل أول نقابة الصحفيين، أن نشر أخبار وأنشطة مشاهير السوشيال ميديا يمنحها شرعية زائفة لدى الرأي العام، ويُظهرها وكأنها تقدم محتوى مقبولًا، رغم تأثيرها السلبي الواضح على المجتمع.
وأضاف الزناتي لـ«إيجبتكِ»، أن هناك جيلًا رقميًا جديدًا دائم التفاعل مع مواقع التواصل الاجتماعي، محذرًا من أن تعرضه المستمر لمثل هذه النماذج قد يؤثر سلبًا على منظومة القيم والمعايير لديه.
إحباط الموهوبين وترسيخ نماذج زائفة للنجاح
وأشار وكيل أول النقابة إلى أن هذه الظاهرة تسهم في ترسيخ مشاعر الإحباط والغضب لدى الشباب الموهوب والمجتهد، الذي يسعى لتحقيق أهدافه بالعمل والاجتهاد، في مقابل نماذج تحقق شهرة وانتشارًا دون جهد حقيقي أو قيمة مضافة.
محمود كامل: الالتزام بالمعايير المهنية ضرورة
وأكد الكاتب الصحفي محمود كامل، عضو مجلس نقابة الصحفيين، أن المبادرة خطوة إيجابية، داعيًا إلى البناء عليها وتعزيزها داخل المؤسسات الصحفية والإعلامية.
وطالب كامل، بالالتزام الصارم بالمعايير المهنية، مشيرًا إلى أهمية وقف البث المباشر في تغطية الجنازات والعزاءات، والاكتفاء بالتصوير الصحفي المحترف، وفق الضوابط الصادرة عن شعبة المصورين.
رفض اللهاث وراء «الترند»
ودعا عضو مجلس النقابة رؤساء التحرير إلى عدم إجبار الصحفيين على ملاحقة «الترندات» بهدف تحقيق نسب مشاهدة أو «ريتش»، مؤكدًا ضرورة التركيز على الصحافة الجادة التي تهتم بقضايا الناس وتلتزم بالمسؤولية المجتمعية.
يحيى قلاش: لا حل دون حرية حقيقية للصحافة
من جانبه، رأى الكاتب الصحفي يحيى قلاش، نقيب الصحفيين الأسبق، أن المبادرة خطوة إيجابية في حد ذاتها، لكنها لن تحقق أهدافها ما لم تترافق مع تهيئة حقيقية لمناخ حرية الصحافة والإعلام، وتمكين المؤسسات الصحفية من أداء دورها بحرية.
وأكد قلاش لـ«إيجبتكِ»، أن الإعلام المصري يعاني أزمة حقيقية، معتبرًا أن التعامل الانتقائي مع ظاهرة السوشيال ميديا ليس حلًا جذريًا، بل نتيجة لتراجع تأثير الإعلام المهني بسبب القيود المفروضة عليه.
السوشيال ميديا مساحة تعبير لا إعلام مهني
وأشار قلاش إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي لا تُعد إعلامًا بالمعنى المهني، لكنها تظل جزءًا من فضاء حرية التعبير، مؤكدًا ضرورة تنظيمها بضوابط واضحة، لا محاصرتها.
وانتقد نقيب الصحفيين الأسبق غياب التطبيق الحقيقي لمواد الدستور الخاصة بحرية الصحافة والإعلام، معتبرًا أن بعض التشريعات جرى الالتفاف بها على هذه المبادئ، بما أفقدها مضمونها، وحوّل بعض المؤسسات المستقلة إلى أدوات في يد السلطة التنفيذية.
تقييد الصحافة منح السوشيال ميديا المصداقية
وشدد قلاش على أن محاولات الحد من تأثير السوشيال ميديا لم تعد حلًا واقعيًا، مؤكدًا أن تقييد الصحافة الجادة والقريبة من الشارع هو ما منح هذه المنصات مصداقية وتأثيرًا لدى الجمهور، وأن الحل الحقيقي يكمن في استعادة دور الصحافة المهنية الحرة.
وأعلنت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، في بيان، عدم متابعة أو تغطية أي نشاط أو فعالية أو مناسبة اجتماعية تخص من يُطلق عليهم مشاهير السوشيال ميديا و«التيك توكرز»، مؤكدة إيمانها بأن دور الصحافة أسمى من ملاحقة فئة تعتمد على صناعة الضجيج وجذب الانتباه.
مواجهة ظاهرة تضر بالقيم المجتمعية
وأكدت الشركة، أن هذه الخطوة تمثل محاولة جادة لمواجهة ظاهرة تؤثر سلبًا نفسيًا ومجتمعيًا، خاصة في ظل وجود نماذج مجتهدة وموهوبة تعمل بجد لتحقيق أحلامها بالاجتهاد والعمل، لا عبر صناعة الترندات أو الاسترزاق من البث المباشر.
دعوة للانضمام إلى المبادرة
وأهابت «المتحدة» بالصحف والمواقع ورؤساء التحرير ورؤساء مجالس الإدارات الانضمام إلى هذه المبادرة، التي تستهدف إعلاء القيم المهنية، والانتصار لرسالة الصحافة ودورها في الحفاظ على قيم المجتمع وتقاليده.
وأكد موقع «إيجبتك» تضامنه ودعمه الكامل لمبادرة الشركة المتحدة لحصار الظاهرة السلبية المسماة بـ«مشاهير السوشيال» و«التيك توكرز»، والتوقف عن نشر أخبار أصحابها أو متابعة إنتاجها ونشاط القائمين عليها.
وشدد «إيجبتك» على أن دعوة «المتحدة» المقدَّرة كانت من بين الأسس التي اعتمد عليها الموقع منذ بدء عمله، كما أننا كنا وسنظل في قلب أي عمل جماعي يحفظ للمهنة دورها وكبرياءها، وبما يليق بمصر ومكانتها وتاريخ شعبها العظيم.