«الحياة في عصر الكاميرات».. عزيزي المواطن أنت تحت المراقبة!
مع وسائل تطور التكنولوجيا وإيقاع الحياة السريع، يظهر كل يوم ما هو جديد وآمن لمسايرة حياة حديثة تتسم بمرونة التعامل مع كل ما هو مستجد، من هذه الوسائل كاميرات المراقبة.
وأنت تسير في شوارع القاهرة أو أسيوط أو الإسكندرية أو مطروح، أو حتى في أسوان، يكاد يكون مستحيلا أن تقطع بضع أمتار دون أن تمر من أمام كاميرا مراقبة، أو بجوار محل تجاري يراقب زبائنه الداخلة والخارجة من محله.
وأنت في السيارة أو في محطة السكة الحديد أو حتى المترو تأكد أنك مراقب بأنواع متعددة من الكاميرات، ولا يتوقف أمر مراقبتك عند عداسات الكاميرات، لكن هناك آخرون يرقبونك، البواب الذي يجلس أمام مدخل العمارة، والبائع المتجول، والمتسول، حتى الباحث في محراب العلم يهمه تتبع سلوكك.
مراقبة على مدار اليوم
الواقع الذي نعيشه يؤكد أننا لم نعد نعيش وحدنا ولو للحظات، بل أصبحنا جزءًا من شبكات مراقبة متداخلة، تكنولوجية وبشرية ورقمية تحيط بنا من كل اتجاه.
فبين ضرورات الأمن ومتطلبات التسويق، يتراجع حق الفرد في الخصوصية خطوة بعد أخرى، نحن أمام عالم جديد تحول فيه المواطن من فاعل اجتماعي إلى مجموعة أرقام وبيانات تتحرك داخل خرائط لا يملك مفاتيحها ولا يعرف حدودها.
حتى دراسات العلوم الإنسانية، وبجوارها العلوم التكنولوجية، لم تعد تقتصر على علم الاجتماع أو علم النفس بالمعنى التقليدي، بل باتت أقرب إلى أنثروبولوجيا شاملة تراقب الإنسان وهو يتحرك ويختار ويستهلك.
فالدراسات التسويقية والدعائية لم تعد تكتفي بسؤال الناس عما يريدون، بل تحاول فهم سلوكهم من خلال مراقبته وتحليله لحظة بلحظة ومن خلال والجلوس أمام شاشات الحاسوب أو الموبايل يتم معرفة كافة اتجاهاتك وميولك ورغباتك أيضا.
التحدي الحقيقي اليوم لم يعد في وجود الرقابة من عدمه، بل في من يملك البيانات وكيف يحصل عليها؟ والأهم من ذلك، كيف يستخدمها ويحللها ويوظفها ؟
الدراسات الأمنية والتسويقية
أسئلة تبدو بسيطة، لكنها تشكل جوهر معظم الدراسات الأمنية والتسويقية من أسباب الجريمة إلى كيفية تجنب حدوثها، ومن كيف يتخذ الإنسان قراره بالشراء ولماذا يشتري ومتى يتوقف والعوامل التي تؤثر في اختياراته؟.
هذه الأسئلة يتم البحث عنها في الشارع، في الحركة اليومية للناس، وفي توقفهم أمام واجهات المحال، وحتى تغيير المسار، والتردد لثوانٍ عند إشارات المرور، كلها تحولت إلى بيانات قابلة للرصد والتحليل.
ولأن كل حركة تصب في آلية فهم قرارات البيع والشراء، وأنماط الاستهلاك، بل ومزاج المجتمع نفسه وتوجهاته العامة، العالم الجديد الآن لا يراقَب فقط.. بل يدرَس ويحلل ثم يقرر .
عيون لا تنام
تُعد كاميرات المراقبة أكثر أدوات الرقابة وضوحًا في حياة المواطن اليومية، ورغم أن دورها الظاهر يقتصر على رصد المخالفات أو ضبط الجرائم، فإن وظيفتها الحقيقية تجاوزت ذلك بكثير، لتصبح جزءًا من منظومة ذكية تعتمد على التعرف الآلي على لوحات السيارات، وبصمات الوجه وربطها بقواعد بيانات واسعة ومتشابكة.
فهناك كاميرات أمنية منتشرة في الشوارع والمباني، تُستخدم للحد من الجريمة أو تتبع مرتكبيها، وأخرى مرورية يعرف الجميع مواقعها عند الإشارات، وأسفل الكباري، وعلى الطرق السريعة.
أما كاميرات المحال التجارية، فقد تحولت إلى شبكة شبه مكتملة تغطي الشوارع الرئيسية والفرعية والميادين، ومع تقنيات التخزين السحابي لم تعد الصورة تُمحى، بل أصبحت الحركة اليومية سجلا قابلا للاسترجاع والتحليل في أي وقت.
في بعض المدن الكبرى، لم تعد الكاميرات تعمل بشكل منفصل، بل جرى ربطها بخوارزميات ذكاء اصطناعي قادرة على تتبع الشخص من شارع إلى آخر، في تجسيد عملي لفكرة "المراقبة المستمرة"، ولم تتوقف التكنولوجيا عند الكاميرات المرئية فقط، بل امتدت إلى أعمدة الإنارة الذكية، التي لم تعد مجرد مصدر للضوء، بل منصات استشعار تضم كاميرات وأحيانًا ميكروفونات لرصد الأصوات أو السلوكيات غير الاعتيادية.
كيف تعمل هذه الخوارزميات
تعمل معظم الكاميرات كمراقب لا ينام، لكنها لا تكتفي بالمشاهدة، بل تقارن ما تراه بالنمط الطبيعي للمكان، على سبيل المثال أن السير في شارع معين يكون بسرعة واتجاه محددين، فإذا رصد شخصا يتسكع لفترة طويلة حول سيارة، أو يجري فجأة وبشكل غير مبرر، أو يتحرك بتوتر في زاوية بعيدة عن الأنظار، يتم إرسال التنبيه الفوري لغرفة العمليات.
المنطق هنا أن السلوك المريب غالبًا ما يسبق الفعل الإجرامي.
الخوارزميات الحديثة مدربة أيضاً على ملايين الصور للأسلحة والأدوات الحادة، بمجرد أن يخرج شخص جسماً معدنياً يشبه سكيناً أو مسدساً، تتعرف الكاميرا عليه خلال أجزاء من الثانية، أحيانا قبل أن يلاحظه المحيطون به، الهدف هو منع الجريمة أو الاشتباك أو السطو قبل أن يبدأ.
نوع آخر أكثر تقدما يسمى الخرائط الساخنة والتوأم الرقمي، وهذا المستوى لا يعتمد فقط على اللحظة الراهنة، بل على التاريخ حيث تُغذي الأنظمة ببيانات الجرائم السابقة، سواء أوقاتها وأماكنها وأنواعها، وبناءً عليه يبني الذكاء الاصطناعي نموذجا رقميا للمدينة، يستطيع من خلاله التنبوء باحتمالات وقوع جرائم في أماكن وأوقات محددة، بما يسمح بتوجيه الدوريات الأمنية مسبقا.
حتى مع ارتداء الأقنعة، يظل لكل إنسان "بصمة حركية" تميّزه من خلال بصمة المشية والوجه تحلل الخوارزميات طريقة المشي، وتوزيع الوزن، وطول الخطوات، وحركة الذراعين، وإذا تطابقت هذه البصمة مع شخص مطلوب أمنيا، يمكن تتبعه وتوقع مساره قبل ارتكابه جريمة جديدة.
هل تخطئ هذه الأنظمة؟
رغم التقدم الكبير، فإن هذه التقنيات ليست معصومة من الخطأ تؤكده الحوادث اليومية التي تقع في أهم أماكن وفي أكثر الدول تقدما، فهناك تحديان أساسيان لنجاحها أولهما التحيز فإذا كانت البيانات التاريخية تميل إلى تجريم مناطق أو فئات بعينها، فإن الخوارزمية قد تستمر في توقع الجريمة هناك، بما يظلم السكان.
وثانيهما الإنذارات الكاذبة فقد يركض شخص للحاق بحافلة، فتفسر الكاميرا سلوكه على أنه هروب بعد جريمة، ما يؤدي إلى استنفار غير مبرر.
التجربة مصرية
بدأت مصر بالفعل في استخدام أنظمة المراقبة الذكية على الطرق السريعة، وهي أنظمة لا تكتفي برصد السرعة، بل تحلل سلوك القيادة، وتتنبأ بالحوادث المحتملة من خلال رصد السير غير المتزن أو تغيير الحارات بشكل مفاجئ، بما يسمح بالتدخل قبل وقوع الكارثة.
فلم تعد الرقابة التكنولوجية مجرد عيون تراقب، بل عقول تحلل وتتنبأ.
في الحلقة القادمة: أهم الجرائم التي نجحت الكاميرات في حل ألغازها.