تراجع تاريخي بتدفقات الهجرة لإسبانيا خلال 2025.. والبليار تغير الموازين
في وقت يستعد فيه العالم لاستقبال عام جديد، كشفت البيانات الرسمية في إسبانيا عن تحول جذري في خارطة الهجرة غير النظامية خلال عام 2025. فقد سجلت البلاد تراجعاً بنسبة 40% في إجمالي وصول المهاجرين عبر الحدود البحرية والبرية، وهو الانخفاض الأكبر من نوعه منذ عام 2019 (الذي شهد تراجعاً بنسبة 49%)، ورغم هذا الارتياح العددي، إلا أن "طريق البليار" ظل يغرد خارج السرب، مسجلاً ارتفاعاً ملحوظاً وضع السلطات المحلية في مواجهة تحديات لوجستية وإنسانية معقدة.
الأرقام تتحدث: هدوء في الكناري وصخب في البليار
وأوضحت صحيفة “البايس” الإسبانية، أنه تشير الإحصاءات المحدثة حتى منتصف ديسمبر إلى وصول 35,935 شخصاً إلى الأراضي الإسبانية. وبينما منحت المسارات المتغيرة "نَفَسًا" لجزر الكناري، شهدت جزر البليار قفزة بنسبة 27% في الوصول البحري، بإجمالي 7,295 شخصاً. هذا التدفق المفاجئ حوّل حدائق الجزر في بعض أيام الصيف إلى مراقد مؤقتة لرجال ونساء أنهكهم البحر، وسط نقص حاد في مراكز الإيواء المخصصة للطوارئ.
وفي المقابل، لم تخلُ نهاية العام من مشاهد قاسية؛ حيث شهدت مدينة "بادالونا" إخلاء مئات الأجانب من معهد مهجور، وسط أجواء مشحونة بهتافات عنصرية من بعض الجيران الذين منعوا لجوءهم حتى إلى أبواب الكنائس في ليالٍ ممطرة، مما عكس توتراً اجتماعياً متزايداً.
مأساة القصر وحماية اللاجئين
من جانبها، أعربت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (ACNUR) عن قلقها البالغ تجاه الفئات الأكثر هشاشة، وخاصة الأطفال غير المصحوبين، ومنذ أغسطس 2023، طلب حوالي 1,500 قاصر وصلوا إلى الكناري اللجوء في إسبانيا.
يشكل الماليون 70% من هؤلاء القصر، بينما تمثل الفتيات 9%، ونحو 22% منهم دون سن السادسة عشرة، حيث استجابت السلطات الإسبانية بإيجابية لطلبات الحماية الدولية بنسبة 65% من الحالات التي تم البت فيها، وترتفع هذه النسبة إلى 80% لدى الفتيات اللواتي يهربن من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي والزواج القسري.
بارقة أمل: من "قوارب الموت" إلى مخازن "أمازون"
في مشهد مغاير، قدمت وزيرة الهجرة والمتحدثة باسم الحكومة، "إلما سايز"، نموذجاً لنجاح الإدماج خلال زيارتها لمركز لوجستي لشركة "أمازون" في "إليسكاس". هناك، يعمل تسعة شبان ماليين براتب شهري قدره 1,500 يورو، في مشروع تجريبي يثبت أن العمل هو المطلب الأول والأساسي للمهاجرين. هؤلاء الشبان، الذين كانوا يوماً ما على متن قوارب متهالكة، أصبحوا اليوم جزءاً من الدورة الاقتصادية، ويسكنون في منازل مستقرة بضواحي مدريد.
الجغرافيا السياسية: صعود "طريق الجزائر" وتدخلات "سيغال"
يرى خبراء أمنيون أن تراجع الأرقام ليس نتاج انخفاض المعاناة، بل نتيجة تشديد الرقابة وتغيير المسارات. فبينما تعترض السنغال أكثر من 70% من القوارب المغادرة، بدأ المهاجرون (خاصة من مالي والصومال) بالتحول نحو الجزائر، وتحديداً العاصمة الجزائر، كمنطلق بديل وأكثر "أماناً" للوصول إلى جزر البليار.
كما ساهمت الاتفاقيات التي أبرمها رئيس الحكومة بيدرو سانشيز في منتصف 2025 مع دول مثل موريتانيا، غامبيا، والسنغال في كبح جماح الهجرة مقابل حزم تعاون اقتصادي وأمني.
التحديات التشريعية والقضائية في 2026
مع اقتراب دخول "الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء" (PEMA) حيز التنفيذ في يونيو 2026، تواجه إسبانيا انقساماً سياسياً حاداً. وتنتقد "إستريلا غالان"، النائبة في البرلمان الأوروبي عن حزب (Sumar)، التوجهات الأوروبية الجديدة، واصفة إياها بـ "آلة الترحيل القسري" التي تتبنى خطاب اليمين المتطرف خوفاً من فقدان الأصوات الانتخابية.
وعلى الصعيد الداخلي، يبقى ملف توزيع القصر المهاجرين بين الأقاليم قنبلة موقوتة، خاصة بعد تدخل المحكمة العليا لإلزام الحكومة المركزية بتولي مسؤولية مئات الأطفال بعد رفض بعض الأقاليم استقبالهم.
الفاتورة البشرية: أرقام متضاربة حول الموت
ختاماً، تظل الحقيقة المرة في عرض البحر. فبينما تسجل منظمة "Ca-minando Fronteras" وفاة 3,090 شخصاً في البحر حتى منتصف ديسمبر، تخفض المنظمة الدولية للهجرة (OIM) هذا العدد إلى 686 حالة وفاة أو فقدان، مؤكدة رغم ذلك تراجع الوفيات بنسبة 59% مقارنة بالعام الماضي.
يبقى عام 2026 محملاً بالشكوك؛ فرغم انخفاض الأعداد، لا تزال "أبواب العالم المرفه" حلماً يراود الآلاف، ولا تزال الطرق البحرية، مهما تغيرت مسمياتها، مسارات محفوفة بالمخاطر والموت.