رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

​بقلم: أم (عن لسان حال آلاف الأسر)


​عندما يجلس طفل في السابعة من عمره، ما زالت أصابعه غضة وأحلامه وردية، منزوياً في ركن الغرفة، وحينما تسأله والدته عما به، يأتيها الرد كالصاعقة: "سيبوني في حالي.. أنا عندي هم ما يتلم".


​هذه الجملة ليست مجرد تعبير عابر، بل هي جرس إنذار مرعب. كيف لطفل في الصف الأول الابتدائي، الذي من المفترض أن تكون أكبر مشاكله هي فقدان قلم رصاص أو الرغبة في اللعب، أن يستعير عبارات العجائز والمهمومين ليعبر عن حالته النفسية؟


​ماذا فعلت وزارة التعليم بفلذات أكبادنا؟ وكيف تحول "التعليم" من رحلة اكتشاف وشغف إلى "هم" ثقيل يكسر ظهور الصغار؟


​جناية المناهج والتقييمات على الطفولة


​إن ما يحدث اليوم في مدارسنا، وتحديداً في الصفوف الأولى، هو عملية "حرق مراحل" غير مبررة للنمو النفسي والعقلي للطفل.


​مناهج فوق مستوى الاستيعاب:


إن حشو عقول أطفال في السابعة بمفاهيم مجردة ومعلومات تفوق قدراتهم الإدراكية لا يخلق عباقرة، بل يخلق أطفالاً كارهين للعلم. الطفل في هذه المرحلة يحتاج إلى التعلم باللعب، بالحواس، بالتجربة، وليس بالحفظ والتلقين لمناهج تضاهي مناهج الإعدادية في سنوات سابقة.


​فخ التقييمات المستمرة:


تحول المعلم في الفصل من "مربٍ" و"موجه" إلى "موظف رصد درجات". التقييمات الأسبوعية والشهرية والمهام الأدائية استنزفت وقت الحصة، وشغلت المعلم عن دوره الأساسي وهو الشرح والتربية، وجعلت الطالب في حالة توتر دائم. هل يعقل أن يعيش طفل السابعة رعب الامتحانات كل أسبوع؟


​اغتيال وقت اللعب:


حين يعود الطفل من المدرسة محملًا بواجبات لا تنتهي، ومطالباً بالتحضير لاختبار الغد، متى يلعب؟ متى يفرغ طاقته؟ لقد سرقنا منهم حقهم الطبيعي في الطفولة واستبدلناه بـ "الهم".


​الحلول المقترحة: لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
 


​إن الاستمرار في هذا النهج لن ينتج جيلاً متفوقاً، بل جيلاً هشاً نفسياً، فاقداً للشغف. ومن هنا، نضع هذه الحلول العاجلة على طاولة المسؤولين وأولياء الأمور:


​أولاً: رسالة إلى وزارة التعليم (الحلول العاجلة)


​تخفيف المناهج فوراً: يجب مراجعة مناهج الصفوف الأولى (1-3 ابتدائي) وحذف الحشو الذي لا يتناسب مع الخصائص العمرية للطفل. التركيز يجب أن يكون على المهارات الأساسية (قراءة، كتابة، حساب) والقيم، وليس على كم المعلومات.


​إلغاء أو تقليص التقييمات الأسبوعية: لا يحتاج طفل الصف الأول لامتحانات أسبوعية. يجب أن يكون التقييم "بنائياً" يعتمد على الملاحظة والمشاركة داخل الفصل دون ترهيب أو درجات تحدد مصيره.


​إعادة الهيبة للحصة المدرسية: تفريغ المعلم للتدريس فقط، وتقليل الأعباء الإدارية والورقية التي تأكل وقت الحصة وتجعله عاجزاً عن متابعة الطلاب الضعاف.


​ثانياً: دور المدرسة والمعلم


​التعلم النشط: تحويل الفصول من ساحات تلقين إلى ساحات للعب والنشاط. الطفل يتعلم بالحركة والألوان والقصة أسرع مائة مرة من السبورة الجامدة.
​الرحمة قبل العلم: على المعلمين إدراك أنهم يتعاملون مع أطفال. الابتسامة والتشجيع أهم من الدرجة النهائية.


​ثالثاً: همسة في أذن ولي الأمر (ما يمكنك فعله الآن)


​بينما ننتظر التغيير الحكومي، عليك حماية ابنك في المنزل:
​كن الملجأ لا الجلاد: لا تكن أنت والمدرسة عليه. إذا عاد مقهراً، لا تطالبه بالمذاكرة فوراً. احتضنه، العب معه، وأخبره أن صحته النفسية أهم من الدرجات.
​فلترة الضغوط: بسّط له الأمور. إذا كانت المناهج صعبة، ساعده على فهم الأساسيات فقط ولا تطالبه بالكمال.


​وقت مقدس للعب: خصص وقتاً يومياً للعب الحر بعيداً عن الشاشات والكتب. هذا هو المتنفس الوحيد الذي سيعيد له توازنه ويطرد "الهم" من قلبه.
​ختاماً..


يا سادة، التعليم وسيلة للحياة وليس وسيلة لكراهية الحياة. رفقاً بالقوارير الصغيرة، فطفل يقول "عندي هم" هو وصمة عار في جبين نظام تعليمي بأكمله. أعيدوا لهم طفولتهم، ليعيدوا لكم مستقبلاً مشرقاً.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء