ضريبة الكربون تشعل التجارة العالمية وتفرض قواعد جديدة على الصناعات|تقرير
دخل الاتحاد الأوروبي عامه الجديد وهو يشعل واحدة من أكثر المعارك الاقتصادية حساسية في تاريخ التجارة الدولية، بعد أن أصبحت آلية تعديل الكربون الحدودي (CBAM) واقعًا نافذًا، رغم العاصفة العاتية من الاعتراضات الدولية والتحذيرات الصناعية داخل القارة نفسها.
هذه الآلية، التي تستهدف ستة قطاعات محورية تشمل الصلب والأسمنت والألومنيوم والأسمدة والكهرباء والهيدروجين، لا تُعد مجرد إجراء بيئي تقني، بل تمثل تحولًا جذريًا في فلسفة التجارة الأوروبية، وتسعى بروكسل من خلالها إلى منع إغراق أسواقها بمنتجات أرخص وأكثر تلويثًا للبيئة، وإجبار المنافسين من خارج الاتحاد على دفع “ثمن الكربون” ذاته الذي تتحمله الصناعات الأوروبية.
وترتبط الرسوم الجديدة بشكل مباشر بنظام تداول الانبعاثات الأوروبي، على أن تُطبق تدريجيًا بالتوازي مع سحب الامتيازات التاريخية التي حصلت عليها المصانع الأوروبية عبر بدلات الانبعاثات المجانية، والتي ستختفي تمامًا بحلول عام 2034. والرسالة واضحة: من لا يُخفض بصمته الكربونية، سيدفع الثمن.
التباطؤ الاقتصادي
ورغم التباطؤ الاقتصادي والتراجع النسبي عن بعض السياسات الخضراء مثل خطط السيارات الكهربائية يصر الاتحاد الأوروبي على المضي قدمًا، في خطوة يراها مراقبون رهانًا استراتيجيًا لحماية تنافسية الصناعة القارية. بل إن تأثير الآلية بدأ يتجاوز حدود أوروبا، حيث دفعت دولًا مترددة إلى التفكير جديًا في تسعير الكربون محليًا، خشية فقدان قدرتها التصديرية إلى السوق الأوروبية.
ماليًا، تبدو الأرقام ضخمة ومثيرة للجدل. فالعائدات المتوقعة قد تتجاوز 10 مليارات يورو سنويًا في المراحل الأولى، مع احتمالات وصول التكلفة الإجمالية إلى نحو 37 مليار يورو بحلول 2035، وسط توقعات بزيادة سنوية تقارب 14% بدءًا من 2026. الجزء الأكبر من هذه الإيرادات سيُوجَّه مباشرة لدعم ميزانية الاتحاد الأوروبي، ما يمنح القرار بعدًا ماليًا لا يقل أهمية عن بعده البيئي.
غرفة التجارة الدولية
و تحذر غرفة التجارة الدولية من تعقيدات بيروقراطية خانقة قد تربك سلاسل التوريد العالمية، في وقت لا تزال فيه الشركات تحاول فهم كيفية حساب الانبعاثات والتكاليف بدقة. والأسواق تترقب بقلق الربعين الأول والثاني من العام، مع بدء انعكاس الرسوم فعليًا على فواتير الاستيراد وأسعار السلع النهائية.
أما المخالفون، ينتظرهم عقوبات قاسية، قد تصل إلى خمسة أضعاف الرسوم المفروضة، إذا استمروا في الاستيراد دون تسجيل رسمي. ورغم اعتراف المفوضية الأوروبية بصعوبة المرحلة التجريبية، فإنها وسّعت قائمة المنتجات الخاضعة للنظام، مضيفة سلعًا نهائية مثل أبواب السيارات والمشعات الصناعية، في محاولة لإغلاق أي ثغرات محتملة.
على الصعيد الدولي، تحولت الآلية إلى نقطة صدام مباشر مع قوى اقتصادية ناشئة كالصين والهند والبرازيل، التي وصفت القرار بأنه إجراء حمائي متنكر بعباءة المناخ. وقد بلغ التوتر ذروته خلال مؤتمر “كوب 30”، فيما زاد رفض بروكسل منح الهند أي إعفاءات من تعقيد مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الجانبين.
قطاع الصلب
ويبقى قطاع الصلب في قلب العاصفة، خاصة في الهند، حيث يشكل مصدرًا رئيسيًا للانبعاثات والصادرات نحو أوروبا. شركات الصلب هناك تعيش حالة ارتباك غير مسبوقة، وتصف المشهد بأنه الأكثر غموضًا وتعقيدًا في تاريخ التجارة العالمية الحديث.