رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

شهدت الأيام الأخيرة من ديسمبر 2025 تحركا سياسيا لافتا في ملف الحرب الروسية-الأوكرانية، مع انعقاد لقاء وُصف بأنه الأحدث بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مار-أ-لاغو بفلوريدا، اللقاء لم يقدّم كزيارة بروتوكولية، بل كحلقة في مسار تفاوضي أوسع تحاول فيه واشنطن وكييف بلورة صيغة نهائية لاتفاق أو إطار سلام، وسط استمرار الضغط العسكري الروسي وتضاؤل هامش المناورة لدى جميع الأطراف.

في جوهر هذا اللقاء برزت خطة من 20 نقطة يجري تداولها إعلاميًا على أنها المسودة التي تُدار حولها المفاوضات، تصريحات زيلينسكي وترامب أوحت بأن التفاهم بينهما بات قريبًا من الاكتمال، مع حديث عن نسبة توافق مرتفعة، لكنهما في الوقت نفسه اعترفا بأن ملف الأراضي يظل العقدة الأصعب، هذا التناقض الظاهري (تقدم كبير مقابل عقدة وجودية) يعكس طبيعة الصفقات الكبرى: غالبًا ما يحسم الجزء الإجرائي سريعًا، بينما يبقى الجزء السيادي هو الذي يقرر مصير الاتفاق كله.

أول اختبار حقيقي لأي تسوية يظل سؤال الضمانات الأمنية لأوكرانيا: زيلينسكي تحدث عن ضمانات أمنية قوية باعتبارها شرطًا لوقف الحرب لا نتيجة لها، ومن منظور كييف، الدرس الأبرز من السنوات السابقة هو أن وقف إطلاق النار دون ضمانات قابلة للردع قد يتحول إلى تجميد مؤقت يمنح موسكو وقتًا لإعادة التموضع ثم العودة للضغط، لهذا يتعامل زيلينسكي مع الضمانات بوصفها صمام أمان يمنع تكرار السيناريو نفسه بعد توقيع أي اتفاق.

 

هنا تبرز نقطة أكثر حساسية نقلتها رويترز: نقاش محتمل حول وجود نشر قوات أمريكية في أوكرانيا ضمن سلة الضمانات، هذه الفكرة – حتى لو جاءت بصيغة محدودة أو رمزية – تحمل تأثيرًا ردعيًا كبيرًا لأنها تغيّر حسابات المخاطر لأي تصعيد روسي، لكنها بالمقابل ترفع سقف التوتر الاستراتيجي، لأن موسكو قد تقرأها كاقتراب من منطق مظلة حماية مباشرة، ما يجعل صياغتها النهائية شديدة الدقة، وربما مرتبطة بإطار أوسع متعدد الجنسيات بدل أن تبدو التزامًا أمريكيًا منفردًا.

أما العقدة التي لا تختفي فهي الأرض: دونباس، وأي مناطق أخرى تحت السيطرة الروسية، وكيفية التعامل معها دون أن يُنظر إلى الاتفاق كتنازل سيادي أو كشرعنة أمر واقع، بالنسبة لأوكرانيا، أي صيغة توحي بالتخلي الدائم عن أراضٍ تُعد خطًا أحمر سياسيًا وشعبيًا، وبالنسبة لروسيا، القبول بتسوية لا تترجم مكاسبها الميدانية إلى مكاسب سياسية أو قانونية يُعد بدوره تنازلًا مكلفًا داخليًا، لهذا السبب تحديدًا يصف الطرفان ملف الأراضي بأنه الأصعب، لأنه يتجاوز التقنية العسكرية إلى شرعية الدولة وحدودها وروايتها الوطنية.

 لا يمكن فصل هذا المسار عن السياسة الداخلية الأمريكية، فأي ضمانات أمنية كبيرة أو ترتيبات طويلة الأمد تحتاج غطاءً سياسيًا وتشريعيًا كي لا تتحول إلى قرار قابل للتراجع مع تبدل المزاج السياسي، وحتى عندما يَظهر ترامب بوصفه صانع اتفاق، فإن قدرته على تحويل ذلك إلى التزام مستدام تمر عبر مؤسسات أمريكية وحسابات حزبية، وهو ما يجعل مسار الضمانات جزءًا من معركة سياسية داخل واشنطن بقدر ما هو تفاوض مع موسكو أو كييف.

الشق الأوروبي بدوره حاضر بقوة، لكن بصورة مساندة حاسمة أكثر من كونه قيادة منفردة، وكالة أسوشيتد برس ذكرت اجتماعًا افتراضيًا لقادة أوروبيين وكنديين في 30 ديسمبر 2025 لمناقشة جهود سلام تقودها الولايات المتحدة، مع حديث زيلينسكي عن اجتماعات وشيكة لائتلاف الراغبين تشمل اجتماعًا لمستشاري الأمن القومي ثم قمة قادة في فرنسا مطلع يناير، هذا يعني أن أي اتفاق – إن نضج – سيحتاج إلى ذراع أوروبية للتنفيذ: مراقبة، تمويل، إعادة إعمار، وربما ترتيبات أمنية على الأرض، لأن الحرب في النهاية تقع على حدود أوروبا ومجالها الحيوي.

لكن الإشكالية الكبرى أن الميدان لا ينتظر طاولات التفاوض، فبالتزامن مع التحركات الدبلوماسية، سُجلت اتهامات روسية لأوكرانيا بشن هجوم مسيرات على مقر للرئيس بوتين (مع نفي أوكراني وغياب أدلة منشورة حاسمة)، وهو نمط مألوف في الحروب الطويلة: تصعيد أو ضجيج معلوماتي يمكن أن يستخدم لرفع سقف الشروط، أو لتشويه الطرف الآخر، أو لتعطيل الزخم السياسي إذا اقتربت التسوية من نقطة حرجة، هذه الأجواء تجعل أي تقدم تفاوضي هشًا وقابلًا للتراجع بسرعة.

يطرح دخول دونالد ترامب على خط الأزمة الروسية-الأوكرانية سؤالًا جوهريًا حول طبيعة دوره: هل هو وسيط يسعى لإنهاء حرب استنزفت الجميع، أم لاعب جديد يعيد تشكيل الصراع وفق حساباته الخاصة؟ من جهة، يقدم ترامب نفسه كصانع صفقات قادر على الضغط لفرض تسوية سياسية، مستندًا إلى نفوذ الولايات المتحدة وثقلها العسكري والاقتصادي، وهو ما يمنحه موقع الوسيط القادر نظريًا، لكن في تقديري من جهة أخرى، أسلوبه القائم على المساومة الصلبة، وربط السلام بمصالح أمنية وسياسية أمريكية، يجعله طرفًا فاعلًا في إعادة رسم موازين القوة لا مجرد ناقل رسائل بين موسكو وكييف، بذلك، يبدو ترامب أقرب إلى لاعب سياسي يسعى لفرض معادلة جديدة للصراع، حيث يمتزج دور الوسيط بدور الفاعل المؤثر، في مسار قد يفتح باب التسوية، لكنه في الوقت نفسه يعمّق تسييس الحرب ويجعل السلام مرهونًا بتوازنات القوة لا فقط بإرادة إنهائها.

في تقديري أن لقاء ترامب وزيلينسكي أعاد تسليط الضوء على فكرة سلام ممكن لكنه لم يحسم شروطه، التقدم الحقيقي – إن وُجد – يبدو أقرب إلى تضييق الفجوات حول الضمانات وترتيبات ما بعد الحرب، بينما تبقى المسألة الإقليمية هي الحاجز النهائي، النجاح سيتوقف على قدرة الأطراف على إنتاج صيغة لا تفسر في كييف كتفريط، ولا تقدم في موسكو كإخفاق، وفي الوقت نفسه تكون قابلة للتسويق داخل واشنطن وأوروبا كاتفاق مستدام لا مجرد هدنة قصيرة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء