رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في الحقيقة، تفرض التطورات الأخيرة في الحرب الروسية–الأوكرانية تساؤلات متناقضة تعكس حالة السيولة السياسية التي تحكم مسار الصراع، التساؤل الأول يتعلق بما يمكن أن يترتب على لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وما إذا كان هذا اللقاء يشكل مدخلًا جادًا لإنهاء الحرب، أما التساؤل الثاني، فيرتبط بما وراء إعلان روسيا عن هجوم أوكراني فاشل استهدف مقرًا ريفيًا للرئيس فلاديمير بوتين، وما إذا كانت هذه الواقعة تمثل تطورًا أمنيًا عابرًا أم رسالة سياسية مقصودة لإعادة رسم حدود التفاوض.


وذلك بالنظر إلى أنه عقب اجتماع ترامب مع زيلينسكي، فقد أشار ترامب إن روسيا وأوكرانيا أصبحتا “أقرب من أي وقت مضى” للتوصل إلى اتفاق سلام، وهو تصريح يعكس مناخًا من التفاؤل الحذر، لكنه في الوقت ذاته لا يرقى إلى مستوى الاختراق السياسي الحقيقي. فمثل هذه التصريحات غالبًا ما تعبّر عن رغبة أمريكية في تنشيط المسار التفاوضي أكثر مما تعكس توافقًا فعليًا بين أطراف الصراع.


والامر الذي يعزز هذا الاستنتاج هو موقف زيلينسكي الذي يمثل أكثر واقعية، إذ شدد على أن أي تسوية تتضمن قضايا إقليمية حساسة تحتاج إلى موافقة الشعب الأوكراني، خاصة في حال عدم التوصل إلى موقف “قوي” يحفظ المصالح الوطنية، وفي هذا السياق، اعتبر أن وقف إطلاق النار لمدة 60 يومًا يمثل الحد الأدنى اللازم لإجراء استفتاء شرعي وآمن، وهو ما يعكس إدراك القيادة الأوكرانية لخطورة تمرير أي اتفاق دون غطاء قانوني وشعبي.
ويكتسب اللقاء دلالته الأوسع من كونه جاء عقب مكالمة هاتفية بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والتي تم خلالها مناقشة ملامح ما يُعرف بـ”خطة السلام الأمريكية”. غير أن زيلينسكي أشار بوضوح إلى أن هذه الخطة لا تزال تتضمن تنازلات إقليمية مؤلمة لأوكرانيا، لا سيما في إقليم دونباس، وهو ما يفسر حالة التحفظ الأوكراني تجاه التعجيل بإعلان التوصل إلى اتفاق.


بالرغم من تصريحات ترامب، فإن تعقيدات الحسابات الروسية والأوكرانية تشير إلى أن إنهاء الحرب في المدى القريب لا يزال يواجه عراقيل جوهرية. فالدول الأوروبية، بوصفها طرفًا غير مباشر لكنه مؤثر، تضع شروطًا تتعلق بضمانات الأمن الجماعي وعدم تكريس سابقة سياسية قد تُضعف بنية الردع الغربي. وفي الوقت ذاته، تسعى كييف إلى تقليص حجم التنازلات الإقليمية، ليس فقط بدافع السيادة، بل أيضًا لتفادي تداعيات داخلية قد تقوض الاستقرار السياسي.
أما روسيا، فتواصل رفضها لوقف إطلاق النار المؤقت، معتبرة أنه يمنح أوكرانيا فرصة لإعادة تنظيم قدراتها العسكرية بدعم غربي، وهو ما يجعل شرط الاستفتاء الأوكراني، المرتبط بوقف القتال، نقطة خلاف مركزية تعرقل أي تقدم فعلي في مسار التسوية.
في سياق موازي، برز إعلان روسيا عن إحباط هجوم بطائرات أوكرانية مسيّرة استهدف مقرًا ريفيًا للرئيس بوتين في منطقة نوفغورود، وفق ما أوردته نيويورك تايمز. ورغم نفي أوكرانيا وقوع هذا الهجوم، فإن الكرملين أعلن أن موقفه من عدد من التفاهمات والحلول المطروحة سيخضع للمراجعة، داعيًا الولايات المتحدة إلى “تفهم” هذا التحول.


ترامب نفسه أكد أنه سمع عن الواقعة مباشرة من بوتين خلال مكالمة هاتفية، معربًا عن غضبه، لكنه أقر في الوقت ذاته بعدم امتلاكه تأكيدًا مستقلًا بوقوع الهجوم. ويكتسب هذا التصريح أهمية خاصة في ظل عدم ذكر البيانات الروسية رسميًا لاسم المقر المستهدف، رغم أن منطقة نوفغورود تضم مقر “فالداي” شديد السرية، أحد أكثر المواقع ارتباطًا بالأمن الشخصي للرئيس الروسي.


من المرجح أن يكون توقيت هذه التصريحات تمهيدًا سياسيًا لعودة روسيا إلى مواقف أكثر تشددًا في أي مسار تفاوضي مقبل. فموسكو قد توظف الحديث عن تهديد مباشر لأمن القيادة السياسية لتبرير رفع سقف مطالبها، خاصة على الصعيد الجغرافي. وفي هذا الإطار، يبرز احتمال توسيع المطالب الروسية لتشمل السيطرة الكاملة على إقليمي زاباروجيا وخيرسون، اللتين تسيطر عليهما روسيا جزئيًا، لا سيما مع تأكيد بوتين أن قواته باتت على بعد نحو 9 أميال من مدينة زاباروجيا، عاصمة الإقليم.

ختاما، إن التباين بين خطاب السلام الأمريكي والواقع الميداني والسياسي للصراع يعكس فجوة لا تزال عميقة بين الرغبة في إنهاء الحرب والقدرة الفعلية على تحقيق ذلك. وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى تسجيل اختراق سياسي، تتمسك موسكو بمنطق المكاسب المتراكمة، في حين تجد كييف نفسها عالقة بين ضغوط الخارج وحسابات الداخل. وفي ظل هذه المعادلة، يبدو أن الحرب الروسية–الأوكرانية لا تزال أقرب إلى إدارة صراع طويل الأمد منها إلى تسوية وشيك
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء