منذ ثلاث سنوات تحولت علاقة الإنسان بالآلة تحولًا كبيرًا، فلم تعد بعده الأمور كما كانت ولن تعود، هذا التحول المرتبط بتطور وانتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي والنماذج اللغوية الكبيرة جعل الجميع يتحدث عنها ويتفاعل معها بدرجات مختلفة ومن هذا التفاعل رأينا إدراكات متضاربة بين الدهشة والانبهار والاعتمادية والخوف والقلق والرفض أيضًا، فهذه الأدوات بات بإمكانها القيام بكافة العمليات العقلية التي كانت فيما سبق حكرا على الإنسان وتستطيع من خلال ذلك تقديم إنتاج معرفي جديد في ثوان معدودة وهو ما كان يستغرق أيامًا وشهورًا من قبل.
هنا وجدنا سؤالًا جديدًا وجديرًا بالتناول حول "وعي الآلة"، هل الآلة أصبحت تمتلك وعيًا كاملًا كوعى الإنسان، وإن لم تكن قد وصلت إلى نفس الدرجة حتى الآن فهل توجد مؤشرات ودلائل بإمكانية حدوث هذا في المستقبل؟، وفي محاولة للإجابة عن هذا التساؤل يجب علينا أن نحلل الموقف ونحلل التعريفات ونرصد التصرفات ثم نقيم الأمر كله لكي نستطيع أن نجاوب -أو نحاول- علنًا نصل إلى إجابة.
وقبل أن نتحدث عن الآلة وما وصلت إليه من إمكانيات يجب أن نصف الوعي، ونعدد أنواعه وجوانبه، فالمصطلح عام ومبهم، فالدودة في باطن الأرض لها وعى والشخص خريج هارفارد لديه وعى وما بينهما من درجات نجد مستويات وإطلالات متعددة لكلمة الوعي وماهيته.
الوعي بالمفهوم الطبي معناه القدرة على الإحساس بأنواعه المختلفة، من حواس خمس أساسية وغيرها من الحواس الأخرى وعندما نقول إن شخصًا ما فقد الوعي فان يغيب عن الإحساس بما يدور حوله ويستطيع الطبيب تحديد درجة الوعي من خلال اختبارات وقياسات يحصل عليها من أجهزة طبية معقدة.
الوعي أيضًا يأتي بمعنى الفهم لما يدور حولنا من أحداث ومن مواقف ومن نظريات وعلوم، فنصف الإنسان المحصل للمعارف والعلوم بأنه أكثر وعيًا من الشخص الجاهل بها وفى بعض الأحيان نطلق على هذا مصطلح الإدراك، وفي مواقف أخرى نطلق المصطلح ذاته على الفهم أو على إمكانية التفاعل مع العالم المحيط بكل ما فيه من مؤثرات ومن معارف أيضًا.
نربط أحيانًا الوعي والإدراك بالإحساس وقد نستخدم المصطلحات بصورة تبادلية بالرغم من أن الإحساس يمكن أن نفصله عن الإدراك وعن الوعي ونكتفي بأن نشير إلى أنه هو رد الفعل نتيجة المؤثرات الخارجية المختلفة ويمكن أن يطلق أيضًا على نتيجة التفاعل الداخلي مع هذه المؤثرات، فانت قد تشعر تجاه شخصًا ما بالارتياح أو التقدير وتجاه شخص آخر بالامتعاض والاحتقار نتيجة أفكاره وأفعاله.
قد يطلق مصطلح "الحكمة" على كل ما سبق أو بعض منه وإذا عدنا إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي نجد أنها قادرة على محاكاة اللغة وفهم السياقات وعلى الرصد والتحليل والمقارنة والصياغة الجديدة، ومن هنا يأتي الالتباس أو الشك في أن لها وعيًا خاصًا أو مستقلًا والحقيقة أنه وكما أن هذا النوع من الذكاء يطلق عليه "الذكاء الاصطناعي" فإن هذا الوعي مصطنعا أيضًا أي أنه ليس وعيًا حقيقيًا مهمًا تفاعل الإنسان مع تلك الأنظمة وشعر بالانبهار، مما تنتجه وحتى وإن استطعنا أن نجعل تلك الأنظمة تطور شعورًا ذاتيًا وخبرة وإدراك للمعاني فإنه لا يمكن أن نطلق عليه وعيًا بالمعنى المعروف، يمكن أن نطلق عليه فهمًا متقدمًا أو سلوكًا ذكيًا ولكن حتمًا ليس وعيًا بالمعنى الإنساني، خاصة أن تلك الأدوات ونماذجها تتعلم ما يقدمه لها الإنسان ولا تستطيع أن تعترض عليه ما دام متسقًا، أي أنه يمكن خداعها بسهولة أو على الأقل جعلها تتبنى آراء معينة أو مفاهيم معينة تخالف العقل والمنطق، فقط إذا قدمت لها بصورة مرتبة وتبدو منطقية.