رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أم كلثوم.. ميلاد كوكب الشرق وصوت خالد جسد الفن والهوية الوطنية

أم كلثوم
أم كلثوم

ولدت فاطمة إبراهيم السيد البلتاجي، المعروفة  بأم كلثوم، في 31 ديسمبر 1898، في قرية طماي الزهايرة بمحافظة الدقهلية، كانت أم كلثوم طفلة من عائلة بسيطة، لكن موهبتها كانت استثنائية منذ الصغر، حيث كان والدها شيخ ومؤذن ومنشد ديني هو أول من لاحظ قوة صوتها، وعمل على تنميته من خلال تحفيظها القرآن الكريم وتشجيعها على ترديد التواشيح الدينية والقصائد الشعبية.

كان أول ظهور لها أمام الجمهور عبارة عن ليلة صغيرة حضرها خمسة عشر شخصًا فقط، لكنها كانت نقطة البداية لمشوار طويل سيجعل هذا الصوت رمزًا للطرب والفن الراقي، وليترك بصمة لا تمحى في الذاكرة الموسيقية المصرية في الشرق الأوسط، ومن هنا بدأ الطريق الذي جمع بين الموهبة والإصرار والصبر، حتى خرجت أصواتها من قلب قرية بسيطة لتصل إلى أكبر المسارح العربية والعالمية.

الانطلاقة الحقيقية

بعد انتقالها إلى القاهرة، جاء اللقاء المصيري مع الشيخ أبو العلا محمد الذي آمن بموهبتها الفريدة، وقدّمها للشاعر أحمد رامي الذي فتح أمامها أبواب الشعر والفصاحة اللغوية، بينما تولى محمد القصبجي تدريبها موسيقيًا وتعليمها المقامات، ليبدأ فصل الاحتراف الحقيقي في مسيرة كوكب الشرق.

غنت أول مونولوج لها بعنوان "إن كنت أسامح وأنسى الأسية"، وحققت نجاحًا جماهيريًا غير مسبوق، ومع انطلاق بث الإذاعة المصرية عام 1934، أصبح صوتها جزءًا من يوم المصريين والعرب، يغذي وجدانهم ويشكل علامة فارقة في تاريخ الفن العربي، ومن هذه اللحظة، لم يعد مجرد صوت بل أصبح حضورًا ثقافيًا متكاملًا، يمثل طابع الطرب الأصيل وروح الفن الراقي، ويصبح مرآة لوجدان الأمة.

أغنيات خالدة

قدمت أم كلثوم نحو 700 أغنية، وامتدت أعمالها بين الطرب الأصيل والمواضيع العاطفية الوطنية، لتشمل روائع مثل "إنت عمري"، "أنساك"، "ألف ليلة وليلة"، "أمل حياتي"، و"سيرة الحب"، تعاونت مع كبار ملحني مصر والعالم العربي، مثل زكريا أحمد، رياض السنباطي، محمد القصبجي، محمد عبد الوهاب، بليغ حمدي، ومحمد الموجي، لتخرج ألحانًا خالدة تخلّد صوتها عبر الأجيال.

هذا التميز الموسيقي منحها ألقابها اللامعة: كوكب الشرق، سيدة الغناء العربي، الست، فنانة الشعب، وصاحبة العصمة، مع الحفاظ على أصالة الطرب العربي ومكانة الفن الراقي، ما جعلها أسطورة تتجاوز حدود الغناء لتصبح رمزًا ثقافيًا واجتماعيًا.

صوت وطني ورسالة قومية

لم يكن صوت أم كلثوم مجرد وسيلة للترفيه، بل كان أداة وطنية وثقافية، غنت للوطن في أوقات الفخر والانكسار، وشاركت في تعزيز الروح القومية والثقافية، مؤدية أغانٍ مثل "الأطلال" و"النور" التي جسدت مشاعر الأمة، وحملت اسم مصر إلى العالم في المسارح الكبرى، مرددة "مصر التي في خاطري وفي فمي".

كما كان لها دور في توحيد الشعور الوطني لدى المصريين، وساعدت أعمالها على بث رسالة ثقافية ووطنية، جعلت منها رمزًا قوميًا قبل أن تكون نجمة غناء، وقد حرصت على أن يكون لكل أغنية قيمة فنية ووطنية في آن واحد، لتظل أيقونة لا يقتصر حضورها على الفن فقط بل يشمل الهوية الوطنية العربية.

السينما والتكريمات والأوسمة

قدمت كوكب الشرق تجربة ناجحة في السينما، حيث شاركت في ستة أفلام بارزة منها "وداد"، "نشيد الأمل"، "دنانير"، "سلامة" و"فاطمة"، لتكون بصمة فنية جديدة تضاف لمكانتها الموسيقية. نالت أرفع الأوسمة العربية من العراق والأردن وسوريا ولبنان وتونس، تقديرًا لقيمتها الفنية ومكانتها الإنسانية، ما عزز مكانتها كرمز فني ووطنى في آن واحد، وأكد على تأثيرها الثقافي والاجتماعي العميق.

الخلود الصوتي

في الثالث من فبراير 1975، رحلت صاحبة الحنجرة الذهبية بعد صراع طويل مع المرض، لكن صوتها لم يرحل، بل ظل حاضرًا في وجدان الملايين، إرثها الفني يجمع بين الطرب الأصيل والروح الوطنية، لتبقى أيقونة خالدة، وصوتها علامة لا تُنسى، وتاريخها صفحة من ذهب في ذاكرة الفن العربي. اليوم، يظل اسم أم كلثوم حاضرًا في قلب الثقافة المصرية ، وصوتها الخالد يربط بين الأجيال، رمزًا للفن الراقي والهوية الوطنية في آن واحد.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء