من أباطرة المخدرات لمجرمي الحرب.. قراءة في قائمةعفو ترامب |تقرير
هل تورطت في تزوير؟ تاجرت بالمخدرات؟ تقاضيت رشاوى؟ في واشنطن اليوم، يبدو أن "أقوى رجل في العالم" دونالد ترامب يملك أذناً صاغية لكل هؤلاء، بعدة شروط أن تكون صديقاً، أو مقرباً، أو تملك المال الكافي للدفع لأحد اللوبيات.
وأوضحت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، أنه في ظل ضغوط هائلة يمارسها لإلغاء محاكمة حليفه بنيامين نتنياهو، يكسر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كافة الأرقام القياسية في استخدام صلاحية العفو الرئاسي، حيث منح حتى الآن أكثر من 1,700 عفو.
عفو ترامب بالأرقام
وأوضحت الصحيفة أن القائمة تضم مزيجاً غريباً: من مثيري الشغب في "الكابيتول"، إلى مليارديرات الكريبتو، وصولاً إلى رؤساء دول أجانب أدينوا بتهريب السموم.
خلال السنوات الأربع الأولى من ولايته، أصدر ترامب 144 عفواً رئاسياً، وكان هذا رقماً معقولاً نسبياً، وإن كان أعلى من المعتاد - فقد أصدر جورج دبليو بوش 189 عفواً خلال فترتين رئاسيتين، وباراك أوباما 212 عفواً خلال فترتين رئاسيتين، وجو بايدن 80 عفواً خلال فترة رئاسية واحدة - ولكن في السنة الأولى من ولايته الثانية، بلغ عدد العفو الذي أصدره ترامب حوالي 1700 عفو.
مثيرو الشغب بالكونجرس

معظمهم، حوالي 1500 عفو، هم من المدانين أو المتهمين بالتورط في أعمال الشغب التي اندلعت في مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021 - وهم نفس أنصار ترامب الذين اقتحموا الكونجرس في محاولة لإلغاء التصديق على فوز بايدن في انتخابات عام 2020.
ترامب، الذي وصف أنصاره المسجونين بأنهم "مختطفون"، منحهم عفواً شاملاً في يومه الأول ، حتى أولئك المدانين بالعنف والاعتداء على ضباط الشرطة. ومنذ ذلك الحين، أُعيد اعتقال نحو 20 منهم بتهم مثل استخدام الأسلحة النارية والاعتداء الجنسي والمخدرات.
أما الوحيدون الذين لم يشملهم العفو الشامل، الذي يمحو سجلاتهم الجنائية أيضاً، فهم 14 عضواً بارزاً في منظمتي "براود بويز" و"أوث كيبرز" اليمينيتين المتطرفتين، والذين حُكم عليهم بالسجن لمدد طويلة ، فخفف ترامب أحكامهم، ما أدى إلى إطلاق سراحهم.
في مارس، أصدر ترامب عفواً عن تريفور ميلتون، مؤسس شركة نيكولا للشاحنات الكهربائية والرئيس التنفيذي السابق لها، والذي أدين بتهمة الاحتيال على المستثمرين وحُكم عليه بالسجن أربع سنوات.
وفي هذه القضية، اعترف ترامب بأنه لم يكن يعرف ميلتون، وادعى أنه "موصى به بشدة من قبل شخصيات مرموقة". وفي أكتوبر، خفف ترامب عقوبة جورج سانتوس ، عضو الكونغرس الجمهوري السابق عن ولاية نيويورك، والذي حُكم عليه بالسجن سبع سنوات بتهمة الاحتيال المصرفي وسرقة الهوية. ووقع ترامب أمراً بالإفراج الفوري عن سانتوس من السجن، وألغى الغرامات التي كان عليه دفعها، مع أنه لم يمنحه عفواً يمحو سجله الجنائي.
ومن بين السياسيين الفاسدين الآخرين الذين عفا عنهم ترامب رود بلاغويفيتش ، حاكم ولاية إلينوي السابق، الذي حُكم عليه بالسجن 14 عاماً لارتكابه سلسلة طويلة من جرائم الفساد، وقد أُفرج عن بلاغويفيتش من السجن عام 2020، ولكن لم يُلغَ سجله الجنائي إلا في فبراير من هذا العام.
العفو عن المشاهير.. ترامب تحت الأضواء

أصدر الرئيس الأمريكي عفواً عن عدد من المشاهير خلال العام الماضي، من بينهم تود وجولي كريسلي ، نجما برنامج تلفزيون الواقع الأمريكي "كريسلي يعرف الأفضل"، الذي يدور حول حياة تود، قطب العقارات الأمريكي، وعائلته.
أُدين الزوجان بتهمة الاحتيال المصرفي بمبلغ يزيد عن 30 مليون دولار، استخدماه لشراء سيارات فاخرة وملابس من أشهر المصممين وعقارات. حُكم على جولي بالسجن سبع سنوات، وعلى تود بالسجن 12 عاماً.
وادعى ترامب أن الاثنين "عوملا بقسوة بالغة حسبما سمعت"، وأفرج عنهما من السجن في مايو الماضي. ابنتهما سافانا، مقدمة برامج بودكاست ومؤثرة على الإنترنت، معروفة بدعمها الشديد لترامب، وقد ألقت كلمة في المؤتمر الوطني الجمهوري لعام 2024، زعمت فيها أن والديها تعرضا للاضطهاد من قبل "مدعين عامين فاسدين"، وأن النظام القضائي الأمريكي "مزدوج الوجهين".
كما أصدر ترامب عفواً عن داريل ستروبيري، نجم البيسبول السابق الذي أقر بالذنب قبل عقود بتهمة التهرب الضريبي، ومغني الراب يونغ بوي نيفر بروك أغين (واسمه الحقيقي كانتريل جولدن)، الذي أدين بحيازة سلاح بشكل غير قانوني.
قبل عيد الشكر، أواخر الشهر الماضي، وقّع ترامب 70 عفواً رئاسياً في يوم واحد، مُنح بعضها لسياسيين ورجال أعمال ومحامين متورطين في محاولة قلب نتائج انتخابات 2020. وشمل العفو أيضاً روبرت هيرشبرغر، صيدلي من ولاية تينيسي وزوج النائبة الجمهورية ديانا هيرشبرغر، إحدى أكبر مؤيدي ترامب في الحزب.
أُدين هيرشبرغر بتهمة الاحتيال في مجال الرعاية الصحية وتوزيع دواء مُسوّق بشكل غير قانوني، بعد أن استبدل دواءً مُعتمداً من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية بدواء أرخص مُستورد من الصين لمرضى غسيل الكلى.
عفو قبل المحاكمة: نسف عمل وزارة العدل
بدأت ملامح "الغرب المتوحش" تتبلور حين منح ترامب عفواً استباقياً للمطور العقاري تيم ليفيكا، المتهم بتزوير وثائق لبناء صالة رياضية، وذلك حتى قبل أن تبدأ محاكمته. لم يقدم البيت الأبيض أي تفسير، مما أعطى إشارة واضحة: عمل الـ FBI ووزارة العدل يمكن أن يذهب إلى سلة المهملات بلمرة قلم رئاسية.
خيانة "الولاء": قصة العفو والندم
أحد أكثر المواقف إثارة للسخرية كان العفو عن النائب الديمقراطي هنري كويار وزوجته، المتهمين بتقاضي رشاوي بقيمة 600 ألف دولار، وترامب، الذي توقع أن ينشق كويار وينضم للحزب الجمهوري، استشاط غضباً حين أعلن الأخير ترشحه مجدداً كديمقراطي، ترامب معلقاً بمرارة: "لقد أنقذت حياتهم.. يا لقلة الولاء! لن أكون السيد لطيف بعد الآن".
رؤساء وبارونات مخدرات تحت الحماية الرئاسية

لم يقتصر العفو على الداخل الأمريكي، بل شمل شخصيات دولية مثيرة للجدل مثل خوان أورلاندو هيرنانديز رئيس هندوراس السابق، المدان بتهريب 400 طن من الكوكايين والمحكوم بـ 45 عاماً، وترامب أطلق سراحه مدعياً أنه "تعرض لظلم من إدارة بايدن".
كما شملت القائمة أسماء أخرى في عالم المخدرات مثل روس أولبريخت مؤسس "طريق الحرير" (Silk Road) لتجارة المخدرات في الدارك نت، والذي كان يقضي حكماً بالمؤبد.
وضمت الأسماء المفرج عنها تشينغبينغ جاو (CZ)، وهو مؤسس منصة "بينانس"، الذي نال عفواً في ظل تقارير عن تضارب مصالح، حيث ساهمت منصته في رفع قيمة عملة رقمية تابعة لعائلة ترامب.
خفّف ترامب لاحقًا عقوبة السجن المؤبد الصادرة بحق لاري هوفر، تاجر المخدرات من شيكاغو، رغم أنه لا يزال يقبع في السجن لإدانته بجريمة قتل عام 1973، وهي إدانة صدرت في محكمة محلية بولاية إلينوي، ولا يملك صلاحية العفو فيها إلا حاكم الولاية.
كما أصدر ترامب عفوًا عن جارنيت جيلبرت سميث، تاجر المخدرات من بالتيمور، الذي كان يقضي عقوبة بالسجن 25 عامًا لارتكابه جرائم مخدرات عنيفة.
اقتصاد العفو
تشير تقارير إلى نشوء "اقتصاد عفو" مزدهر، حيث يدفع المتهمون مبالغ تتراوح بين 5 إلى 30 مليون دولار لوسطاء ومحامين مقربين من ترامب، مثل روجر ستون، لتأمين الوصول إلى المكتب البيضاوي. لقد استبدل ترامب موظفي وزارة العدل المهنيين بموالين مخلصين، صرح أحدهم علانية: "لن نترك أحداً من مؤيدي (MAGA) خلفنا".
الملك الذي لا يعترف بالقيود
بينما تنص الدستور الأمريكي على أن سلطة العفو شبه مطلقة في الجرائم الفيدرالية، يرى المحللون أن ترامب يتصرف كـ "ملك" يتجاوز نظام التوازن والرقابة، هو لا يكتفي بالعفو عن أنصاره، بل يمارس ضغوطاً على قادة دول أخرى.
وأوضحت الصحيفة، أنه لو كان الأمر بيد ترامب، لأصدر عفوًا شخصيًا عن الرئيس البرازيلي السابق جاير بولسونارو ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو : فالأول أدين بمحاولة قلب نتائج الانتخابات الديمقراطية في بلاده، والثاني متهم بالرشوة، ويشعر ترامب برابطة خاصة مع كليهما، وفي كلتا الحالتين يؤيد مزاعمهما بالاضطهاد السياسي والقانوني.
تدخل دون جدوى نيابة عن بولسونارو، الذي أُرسل بالفعل إلى السجن لمدة 27 عامًا الشهر الماضي - مع فرض عقوبات على كبار المسؤولين في النظام القضائي البرازيلي الذين لم يستجيبوا لمطلبه بوقف المحاكمة - وهو الآن يمارس ضغطًا غير مسبوق على الرئيس إسحاق هرتسوغ لمنح العفو لنتنياهو في خضم محاكمته.
سابقة الرؤساء الأمريكيين مع العفو الرئاسي
تاريخيًا، استخدم رؤساء الولايات المتحدة سلطة العفو بشكل أساسي كوسيلة لتصحيح المظالم الاجتماعية أو عندما يتغير الإجماع الأمريكي حول قانون معين. على سبيل المثال، عفا جيمي كارتر عن المتهربين من التجنيد الإجباري في حرب فيتنام، وبرأ جو بايدن آلاف الأمريكيين المدانين بحيازة الماريجوانا. ولعل أشهر مثال على ذلك هو الرئيس جيرالد فورد، الذي منح ريتشارد نيكسون عفوًا كاملًا وغير مشروط "عن أي جريمة فيدرالية قد يكون ارتكبها أثناء توليه منصبه".
فورد، الذي كان نائبًا لنيكسون، حلّ محله ومنحه العفو في 8 سبتمبر 1974، بعد حوالي شهر من استقالة نيكسون من منصبه في أعقاب فضيحة ووترجيت، وقد حال هذا العفو دون أي احتمال لمقاضاة نيكسون جنائيًا عن أفعاله كرئيس.
اليوم، لم يكن من الضروري حتى منح هذا العفو، بعد أن قضت المحكمة العليا العام الماضي، بناءً على طلب ترامب، بأن نيكسون كان محقًا بالفعل عندما قال "إذا فعل الرئيس ذلك - فهو قانوني"، ولكن في ذلك الوقت كان قرارًا غير شعبي للغاية ساهم في خسارة فورد في انتخابات عام 1976.

وقد أساء بعض الرؤساء استخدام هذه السلطة لحماية أصدقائهم وعائلاتهم. ومن أبرز الأمثلة الفاضحة عفو بيل كلينتون عن الملياردير اليهودي مارك ريتش، الذي وُجهت إليه واحدة من أكبر التهم الاقتصادية في تاريخ الولايات المتحدة عام 1983: إذ اتُهم بالتهرب الضريبي بمبلغ يزيد عن 48 مليون دولار، وعشرات تهم التزوير، والتجارة غير المشروعة بالنفط مع إيران خلال فترة الحظر الأمريكي، والعديد من قضايا الاحتيال الأخرى.
فرّ ريتش إلى سويسرا وعاش هناك لمدة 16 عامًا، إلى أن منحه كلينتون عفوًا كاملًا في آخر يوم له في البيت الأبيض عام 2001. تبرعت زوجة ريتش السابقة، دينيس ريتش، بحوالي 450 ألف دولار للمكتبة الرئاسية التي أنشأها كلينتون بعد مغادرته منصبه، ومئات الآلاف من الدولارات الأخرى لحملات الحزب الديمقراطي وأعضاء الكونغرس. اعترف كلينتون لاحقًا بأن العفو كان خطأً، لكن الضرر الكبير كان قد وقع.
أصدر جو بايدن عفواً رئاسياً عن ابنه هانتر ، متنازلاً بذلك عن التهم الموجهة إليه من قبل وزارة العدل التابعة له. وفي الأيام الأخيرة من رئاسته، بادر بايدن بالعفو عن آخرين ، بمن فيهم أفراد من عائلته وخصوم ترامب السياسيين، خشية أن يسعى ترامب لتصفية حساباته معهم. ومع ذلك، لم يستخدم أي رئيس سلطة العفو لخدمة مصالحه الشخصية بهذه الطريقة غير المدروسة والوقحة كما فعل ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض.
ماذا بعد؟
التساؤل الكبير الذي يشغل الشارع الأمريكي الآن هل ستكون جيلين ماكسويل (شريكة جيفري إبستين) هي التالية في قائمة العفو؟ خاصة بعد أن أشادت بـ "جنتلمانية" ترامب من داخل سجنها الفاخر في تكساس.